فارس بلا مأوى الجزء الثامن
و عندما تذكرت أحداث الكابوس الذي راودها عند نومها أثناء حديثها مع فارس، هزت رأسها بالرفض التام:
– لاء، قصدي ما ريداش، تسلمي يا خالة.
أراد فارس أن يعانقها و يربت عليها لعلها تهدأ لكن مبادئه و أخلاقه لم يسمحا بذلك، فنهض من جوارها و أشار للخالة:
– تعالي يا خالة أقعدي چارها.
نهضت الخالة و جلست بجوارها ثم حاوطت ظهر زينب التي مالت برأسها علي صدر الخالة التي أخذت تمسد فوق وشاحها و تتلو بعض الآيات و الأذكار، بينما أحتضنت زينب المصحف بين يديها و قامت بضمه إلي صدرها و بدأت تتلو أيضاً ما تحفظه من آيات الله تعالي.
و ذلك تحت بصر فارس الذي لا تحيد عيناه عنها بل كان يتأمل ملامحها التي أصبحت كالزهرة في موسم الخريف حينما تجف أوراقها و تذبل، يتخيل كم المعاناة و العذاب التي تعرضت إليه علي يد هذا الشيطان، مما يجعله أكثر إصراراً علي ما ينوي فعله، مجرد أيام تفصله عن إنتقامه المحسوم.
※ــــــــــــــــــــــــ※
عاد فارس إلي مسقط رأسه بعد رحلة عذاب دامت لشهور، عاد و قلبه ينبض من جديد، يدرك ما هو مُقبل عليه الأيام القادمة و عليه أن يتحلي بالصبر حتي يظفر بالفوز العظيم، فوز فؤاده الذي عاد إليه عشقه و فوز ظهور براءته و ذلك بعد أن أخبره العم جابر بعلم أهل النجع بهذا الخبر الذي جعلهم سعداء من أجله، فهم يحبونه كما أحبوا والده، فالنبات الطيب لا يطرح سوي الثمار الطيبة و العكس صحيح.
و بمجرد أن وطأت قدمه أرض النجع بعدما ترجل من السيارة التي أخذتهم من أمام محطة القطار حتي منزل عائلة القناوي، أُطلقت زغاريد النساء يصاحبها تهليل و ترحاب و سرور من أهل البلدة، أقترب كل منهم يصافحه و يعانقه بحفاوة و الجملة الشائعة التي تكررت إليه من الجميع
« حمدالله علي سلامتك يا غالي يا ولد الغالي»
بدأت فرقة القرع علي الطبول و المزمار يعزفون من موسيقي الفلكلور الصعيدي، أقترب العم جابر من فارس و أخبره:
– أهل البلد أول ما خابروا أنك معاود بقت الفرحة ما سعياهمش عاد، الكل بيحبك كيف ما بيحبوا أبوك الله يرحمه.
ربت فارس علي كتف الأخر و قال بنظرة مليئة بسعادة تنبع من القلب:
– الله يرحمه، أهو اللي أنا شايفه دلوق خلاني أتأكد أبوي مامتش، ده عايش في كل واحد من أهل البلد، و أنت يا عم چابر فيك حنية أبوي و طيبة قلبه، ربنا ما يحرمني منك و لا من الخالة هنادي.