فارس بلا مأوى الجزء الثالث
ألتفت له و نظر إليه بصمت ثم عاد ببصره نحو النافذة بدون أن ينبس بحرف واحد، فأردف الآخر بضيق:
_ بس أني خابرك زين، شكلك واد ناس مش وش إچرام عاد.
تنهد وأستدار له قائلاً بسخرية:
_ وعتفرج أي، واد ناس ولا ولد غلابة، أني في نظر الجانون تاچر مخدرات، دليل وشهود وأديني مترحل علي النيابة.
تعجب الآخر وقال:
_ واه يا أبوي! ، تاچر مخدرات مرة واحدة! ، طب لافيني سوجارة وحياة أبوك، صاحبك خرمان و ولد الصرمة الي كان بيغني هناك ده چابلي صداع في نفوخي .
أرتفعت شفتيه بسأم وقال:
_ مليش في الدخان.
رمقه عاقداً حاجبيه بسخط فقال:
_ عچيبة، ملكش في الدخان وتاچر مخدرات ده حتي عيبة في حجك يا چدع، ولا كيف ما بيجول المثل باب النچار مخلع.
أجاب بأقتضاب وبدأ ينبلج علي ملامحه الملل:
_ مبحبش السچاير.
لم يكُف عن طرح أسألته المزعجة:
_ مجولتليش إسمك أي؟.
زفر وأخذ يستغفر ربه في نفسه، فأجاب:
_ فارس، في أي أسئلة تاني يا أخ…..
قاطعه قائلاً بإبتسامة سمجة:
_ چنيدي، محسوبك چنيدي الدوكش.
جلس فارس بعد أن شعر بالتعب من الوقوف، فتبعه چنيدي وجلس بجواره ليكمل ثرثرته:
_ أني خابر إنك مش طايجني، بس أني أستريحتلك لله في لله، أصل صاحبك خبرة وبعرف الواحد كيف هو من نظرة واحدة، عندك مثلاً الي جاعد هناك.
أشار نحو الجالس مقابلهما وأردف:
_ ده تهمته الجتل، أني عارفه أصله من عيلة أبو حطب كان حداهم تار من عيلة چبلاوي، و ولد البومة وهو بياخد بتاره، كان معدي مأمور القسم بتاع بلدهم چت الرصاصة فيه و ملحجش التاني يهروب والعساكر جبصته من جفاه.
_ و الي هناك ده تجدر تجول عليه خُط الصعيد، كان عايش في الچبل ويا المطاريد ولما الحكومة طاردتهم هو والي معاه، أتدلي علي بلد و دخل بيت عيلة وجتل كل الي فيه رچالة وحريم حتي معتجش الأطفال، وأجطع دراعي لو كان الواد ده بيشرب أو مچذوب.
رد فارس بسخرية معقباً علي حديثه:
_ وليه متجولش إنه شيطان والإچرام بيچري في دمه.
ضحك الآخر قائلاً:
_ الشيطان جاعد هناك علي شمالك، خابر ده تهمته أي؟.
نظر له منتظراً فأردف:
_ الله يحرجه كان عاشج مرات أخوه الكبير، وهي طلعت مره خاينة وخسيسة إتفجت وياه يجتل أخوه ويمثلو إنه مات في حادثة قضاء وقدر، يجوم ربك كاشف سترهم والواد الصغير إبنها كان سامعهم وفتن عليهم للبوليس لما راحو يحججو، دنيا غداره ومتچيكش الضربه غير من الأجرب ليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ربما تكن مصادفة من القدر فاليوم الذي رحل فيه فارس عن النجع هو ذاته يوم زفافها، تجلس في غرفتها ومن حولها فريق من الفتيات جلبهن سليم إليها من أكبر مراكز التجميل حتي يزينن عروسه، فكانت في عالم آخر لم تشعر بما يحدث معها ومن حولها، عينيها ثابتة نحو الفراغ كالموتي، إحساسها كان كالذي يعدونه لتنفيذ حكم الأعدام وليس إلي حفل زفافها.
وفي الخارج تطلق نوارة الزغاريد تحمل مع النسوة صواني الطعام ويعطونها إلي رجال رافع ليذهبوا بها إلي داخل السرادق المنصوبة أمام المنزل حيث يتجمع رجال أهل النجع ويأكلون الفتة واللحم ويباركون لرافع ويهنئونه هو وسليم العريس الذي يقف بكل هيبته ومن خلفه يقف أربعه من رجال حراسته، يرتدي حُلته السوداء وفوقها عباءة سوداء مطرزة أطرافها بشريط ذهبي، أهداه رافع إياه وأخبره بإرتدائها فهذه عادات وتقاليد أسرتهم.
تعالت الأغاني من السماعات المنتشرة في كل مكان، أغاني من الفلكلور الصعيدي وبعض من أغاني المهرجانات يصاحبها أصوات زغاريد وتهليلات النساء.
وهناك فروع المصابيح الملونة تتخلل جميع الشوارع والحواري.