البوص الجزء الرابع
جلس عاصي في مكان عام مع مدير مكتبه، يستحيان كوبان من الشاي.
شرد الأول بذهنه دون التحدث، يرتشف القليل من فنجانه بصمت وعقله مشغول على ملك.
تساءل الآخر قائلاً بحذر: عملت إيه مع أيمن، تراجع للخلف بمقعده مستنداً بظهره عليه.
مردداً بهدوء مصطنع: أبداً عرفت عنوانه الجديد ووصلت ليه وقابلته وكنت هموته في إيدي، خلصه مني واحد صاحبه وأقسملي إنه ما شافها ولا يعرف عنها أي حاجه من قبل ماتهرب.
تطلع إليه بنظرات شائكة قائلاً: وانت صدقته بسهولة كده.
مط شفتيه بامتعاض قائلاً بضيق: هعمل ايه يعني مش قدامي غير كده، غصب عني لازم أصدقه وخصوصا إنه باع تليفونه القديم ورمى الخط بتاعه علشان متتصلش بيه…. وجاب واحد تاني غيره.
صمت الإثنان يتطلعان إلى بعضهما كان الحديث توقف بينهما عند هذا الحد.
تفوه عاصي بكلمات مقتضبة: طب أنا ماشي دلوقتي وبكرة إن شاء الله نبقى نتقابل.
عاد إلى المنزل ووجد فريدة بانتظاره على الغداء، وقع بصرها عليه فهبت واقفة من مكانها على الفور.
مرددة بتوتر: كنت منتظرة حضرتك نتغدى سوا… حدج الطعام ولم ينظر إليها.
قائلاً بجفاء: اتغدي أنتِ مليش نفس للأكل.
انزعجت من كلماته المختصرة قائلة بهدوء مزيف: لكن يا أبيه…. قاطعها بحدة: وبعدين بقى قلتلك مليش نفس يبقى خلاص.
تماسكت رغماً عنها أمامه حتى لا تبدو أضعف من ذلك.
تحركت صوب الدرج، لكنه هتف بها بغضب: رايحه فين قبل ما تاكلي.
هزت رأسها بالرفض قائلة بخفوت متلعثم: خلاص مبقتش قادرة عن إذنك.
نظرات شرسه بدت في عيونه… كادت تلتهمها قائلاً بغضب: واضح كده إني علشان ساكت هتبتدي تعانديني.
خشيت من مقصده… عادت إلى مقعدها وبدأت تتناول الطعام تحت نظراته الساخطة.
بدى ارتعاشت يدها وهي تمسك الخبز، هدر بها: كُلي أفضل من كده… قبل ما يغمى عليكي من الجوع.
ثم تركها ودخل إلى مكتبه، جاءته المربية تقول بتساؤل: أعملك حاجه قبل ما أمشي يابني.
هز رأسه بالنفي، انسحبت بهدوء عائدة إلى المطبخ.
فكرت فريدة بازدياد قسوته هذه الأيام، شعرت أنها وملك السبب وراء ذلك.
فقد أيقظت جروحاً قديمة بداخله، أكلت عدد لقيمات صغيرة ثم عادت لحجرتها.
فهي في أيام إمتحانات ولا تريد الفشل، فيحطم ذلك من نفسية عاصي أكثر مما هو عليه.
أغمضت أهدابها تحاول التركيز فيما هي فيه… بوغتت برن هاتفها برقم غريب لم تعرفه.