عند مفترق الطرق الجزء الثاني
يحبها! .. كيف؟! .. ومتى؟! .. ثم أين سارة من كل ذاك! .. حب عمره! .. وسنوات هيامه العشر بها! ..
بل كيف لقلبه أن يميل .. أن ينصر أحداهن عليها؟!
ليوارده حديث النفس بأن لا هناك سلطانٌ على القلوب إلا رب العباد .. وأن من يستنجد بشهامته كان ينبض منذ قليل ودون إرادة گ السكير بين الطرقات لفتاةٍ آخراها .. يتوق قربها .. نبضها .. ينخره الشغف نحوها .. هي ككل .. تمامًا گ زوج لزوجته !
راح يجثو فوق الرمال الملتاعةٌ مثلهِ تائه مطرق الرأس يعيد أمام مرآته ذاك المشهد من جديد .. مشهد رؤيتها هكذا .. صدمةٌ تلقاها ولم تكن في الحسبان .. جعلته أبكم .. أبله لا يفقه تصرفه القادم ولا الزمان من حوله .. وهي أمامه گ الجماد الراسخ .. عيناها شاخصتان .. لا يرفرف لهما جفن .. ولا يزغ منهما حدقة .. فقط لمعة عبرات واهنة ما كانت تشاع منها .. تخبره أنها عاجزة عن حفظ كبريائها الذي جُرح .. لهذا هي رافضة .. مستنكرة .. تكاد تصرخ باكية في وجهه رغم ثباتها التام الذي لا يبث شهيقًا أو زفير ..
هالة هو أمامها كان لا يختلف عنها كثيرًا غير أن قلبه كان يزداد لوعة ورغبة .. يحسهُ أن يقترب .. يقترب جدًا .. يقترب من إمراته !
ولكنه فاق من وسواسه اللهوف على صحوة فرارها المتأخرة من أمامه خلف بابها الموصد بعنفوانية في وجهه ..
على أثرها اخرج انفاسه باضطراب .. يعلو بها صدره و ينخفض .. ليدرك أنه كان يحبسها بين طياته طيلة مدة قربها تمامًا گالسجين المدان خلف القضبان .. وإنها باتت تشتعل بإزدياد مع حرارة العقل والجسد الموقدتا بلهب .. حرارة لم يكن يظن أنها ستزوره يومًا إلا لإمراة واحدة .. ولكنها كذبت كل ظنونه لسنوات في حركة عقرب واحدة ..
التفت بضيقٍ وغضب ينوي الهروب من ذاك المكان .. منتشل قيمصه في طريقه .. ينفذ رغبته في البُعد .. البعد البعيد .. البعيد جدًا .. ليفتش عن قلبه .. عن ماهية نبضه الحقيقي .. يفتش عن مالك من جديد !
لهذا لم يكن طريقه التالي شقة رفقائه بل إنفرد بسيارته وسرعتها الجنونية في وسط العاصمة حتى وصل لبقعته الحالية .. الذي هو من بين جنباتها وحيدًا .. وحيدًا جدًا إلا من ربه وصمت الرمال من حوله أمام صارمة الشمس الحارقة ..
——————–
خلف الجدران لم تكن حالتها قد تغيرت عن بداية الحادثة .. حين استكانت جالسة على طرف الفراش شاخصة في نقطة واهية .. لا ترفرف لها عين ولا تهمس ببنت شفة .. گأنها استعاضت عن بديلاً لصفحتها من ميتٍ مات حديثًا .. صفحة هادئة شاحبة لا تعكس ما يحدث بداخلها من نيران مستعرة وحرب قائمة .. روحها من بينهما كانت ضائعة ممزقة .. تشي لعقلها بأن كرامتها هدرت باستهانة .. وحدودها استباحها الغرباء بغير وجه حق حتى وإن كان بينهما ميثاقٌ غليظ مُسلم به بين الناس .. فحقه في ذلك العقد سُقط في الهاوية عند أول كلمة خرجت لها من فاههِ يحررها بها بعيدًا عن قلبه وحياته ..