عند مفترق الطرق الجزء الثاني

عند هاجسه الأخير زفر بضجر يحرر أزر قميصه لأجل نيل حمام يرطب حرارة العقل اللافحة من تفكيره الغزير بها لا من حرارة الجو اللاذعة.. نزعه بعيدًا عنه قائمًا لجلب منشفته معه نحو دورة المياة.. فسمع حركة هادئة.. دقق بسمعه في ذبذباتها الخافتة.. فتعجب بأنها لم تخرج من المكان الوحيد المحتمل أن تخرج منه.. بل من جهة أخرى تمامًا.. جهة مغايرة عن صومعتها.. حينها رصد مصدر الصوت المتزايد بعينين جاحظتين و قلب استكان نبضاته عندما وعى لوقت عودته المخالف لإتفاقهما..

و بالفعل أدرك شناعة تصرفه عند خروجها عليه بعد نعيم حمامها بمنامة قصيرة حملاتها واهنة المنشفة تطوق خصلاتها الندية من فوقها ..
ليكون لها ذات صدمته.. شخوصه و توقف الأنفاس.. صراخات قلوبهما الواجفة.. و هما يواجهان بعضهما البعض بذات حالتهما المتجمدة..

أن تُنجى من ألسنة النيران ..
لا يعني نسيان تلك التشوهات التي خلفتها وراءها ..
بل وقد تدفعك كثيرًا من الأحيان لتغير ما أنت عليه ..

**********

الحلقة الثانية عشر

……

مع ثقل عجلات سيارته المعاندة وغبار الرمال المتصاعد حوله بكثافة .. استفاق أخيرًا من حالته اللاوعية .. استفاق ينهش الأجواء من حوله بعينين زائغتين گ الغريب الضائع الذي ضلّ الخطى .. أو كيف أتى !

صحراءٌ جرداء خارج حدود المدينة كانت نهاية مطَافهُ الشارد لتفريغ شحنته المكبوتة .. بقعة خالية من كل شيء وأي شيء إلا من الرمال والقرص الواهج من فوقه .. أقل وصف لمن يراهُ ضيفها يقول أنه مجنونًا لا محال .. فكيف لعاقلٍ أن يكون ضيفًا للهيبها المتقد دقيقة واحدة .. ساعة ذروة الجميع فيها يختلي بسقيع برادات بيته .. بينما هو من بينهم يؤنس رمالها الملتهبة .. ولكنه لا يعي! .. لا يعي لجبينه المصفد بالعرق .. ولا لصدره المتهدج كأنه أُنقذ توًّا من فواحه بركان نشط ..

لا يعي لمدى صدق مشاعره قبل رؤياها .. ولا كيف أصبحت الآن ..

كل شيء تخبط حوله .. خططه .. ثباته .. حتى خفقات قلبه .. صارت تعانده وتطرق أبوابه للاستيقاظ من غفوته .. فـ لسنوات عدة كانت مخلصةٌ لإمرأة واحدة محددةٌ بالاسم والهيئة وبالأمس القريب شعر أنها باتت لغيرها تمامًا ..

عند ذلك الهاجس فزع من مقعده خارجًا .. يستكين أمام مقدمة سيارته بجحوظٍ تام .. لا يكاد يستوعب ما لفظ به تفكيره عليه توًّا من حقيقة صادمة .. صاعقة .. صعقته گمن صُعق بسهام رعدٍ قاتل ..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *