عند مفترق الطرق الجزء الأول شريهان سماحة
الحلقة السادسة ..
قلبت حدقتيها في المكان من حولها كالغريب الضائع، غير مدركة كيف وصلت لتلك الشقة ضئيلة الحجم بغرفتيها، بعدما رافقها التيه طيلة الطريق بجوار ذلك الصامت الصائم عن حلاله، والذي لم تمّن عينيهُ تجاهها بأيّ نظرة لهفةٌ أو شوق، أو تحرك فمه بكلمة مباركة واحدة كانت متوقعة منه في ذلك الوقت الخاص بينهما ..
رمقته بطرف حدقتيها مهموما منتكس الرأس على أحد مقاعد الاستقبال المتواضعة أمامها، يبدوا على معالمه الشاردة بأنه مازال بعيدا كل البعد عن عالمها، كأن لديه الكثير من الخبايا التي تثقل صدره ويخشى الإفصاح عنها، اعتصر القلق قلبها وراح بنبضاته المتلاحقة يصم الأذن ويهجم على عقلها بكافة الهواجس اللعينة، ومع هذا لديها آمل واهن بأن ما وقعت به منذ وصولها هو مجرد دعابة سخيفة ستنقشع غمامتها من فوقهما عمّا قريب، أمل ترجو خفية تحقيقه حتى لا تأخذ كافة تصرفاته الغامضة على محمل الجد فتتصَلّب شرايينها ..
وجدته يرفع صفحته نحوها أخيرا وشفتيه تبحث بإرتباك عن حروفه الضائعة لطرح خباياه، مثله كان كمثل الذي يبحث عن المياه في جوف صحراء قحطاء، طال وضعه حتى نفذ صبرها وكادت تقلع كلماته من على شفتيه قلعا، متمنيةً أن تجد من بينهن عذرا مقبولا يفسر فعله القاتل ويهدأ من نيران حيراتها ولو بالقدر القليل، غير مدركة بأن ما سيقتلعه من جوفه سيسقط على فؤادها گ السواط المؤلم .. وهذا ماحدث حين تمتم على تباعد بأنفاسٍ مثقلة ..
– “بنان” .. أنا أسف .. حاسس حالي ندل وجبان مستهلش تقديرك ولا تقدير أهلك ليا.. طول ما أنا شايفك قدامي دلوقتي بفستانك الأبيض ده ..
متحفزٌ بصفحته المهمومة يرجو الصفح والغفران مستطرد :
– بس عاوزك تعرفي وتتأكدي إنه غصب عني والله مش بأيدي ..
صفعة أسفهُ وطريقة نطقها كانت على روحها أكبر لغزًا غامضًا تتعرض له طيلة حياتها، جرفتها الحيرة جرفًا لشطأنها كي تتذكر ما الذي حدث بينهما ليستدعي نطقه من الأساس؟!
لا شيء.. لا شيء بتاتًا.. فكل الأمور كانت على مايرام في تلك الشهور الماضية بينهما.. بل كانت على خير ما يرام.. إذا ما سبب هالة أسفه تلك؟!
أهتدت نفسها بأنه دون شك أحد مقالبه الساخرة لتلطيف الأجواء وقطع الخجل فيما بينهما من البداية كما كان معتاد منه طيلة مكالمتهما معا .. فلا تفسيرًا أخر لديها لطقوسه الصارمة في تلك اللحظة الأولى لزواجهما حديث العهد ..