البوص الجزء الخامس
رمقها سليم بنظرات مبهمة لم تعد تفهما، ولا تعلم ما هي نواياه الآن وهو يتطلع إليها هكذا… طال صمته وتعبيرات وجهه لا تدل على شيء.
هناك شيئاً ما لا تدري كنهه… تحدثت إليه بغلظة: يعني ما بتتكلمش وترد عليه ها… ولا اللي أنا شفته بعينيه طلع صح مش كده.
تطلع إليها بغموض لم تكن تتوقعه من جانبه قائلاً باختصار جامد: أنا اللي عندي قلته هتلبسي النقاب يعني هتلبسيه.
أغمضت عيونها شاعرةً بدوار من جديد غير مصدقه هذا البرود خلف ملامحه الوسيمة، استندت إلى الحائط بجواها حتى لا تسقط مغشياً عليها.
قائلة بخفوت: لبس مش هلبس طالما مش راضي تقولي الحقيقة، أمسكها بغتةً من ذراعها بقوة.
هاتفاً بها بخشونة: أنا اتعودت إن كل اللي حواليا بيسمعوا وينفذوا من سكات كل اللي أقوله.
تألمت ملك بشدة، حاولت جذب ذراعها من بين قبضته دون فائدة، قائلة بحدة: ابعد عني إيدك دي متلمسنيش تاني…. مش من حقك حتى تفكر بس تلمسني.
زمجر البوص هادراً بها: من حقي أعمل اللي أنا عايزه فيكي وزي ما قلتلك قبل كده اتقي شرغضبي، وكلامي يتنفذ وبس من غير ولا كلمة.
امتلئت عيونها بالرهبة منه عندما أفرغ إليها غضبه هكذا قائلة بحدة مفتعلة: وإذا ملبستش النقاب… غرز أصابع كفيه في ذراعيها هذه المرة قائلاً بغموض غاضب: يبقى استلقي وعدك مني يا ملوكه ومن دلوقتي.
دفعها بغتةً على الأريكة خلفها بكل قسوة لديه، حتى جعلها تتأوه بتعب، تاركاً إياها بحال يرثى له…. ذرفت الدموع الكثيرة بعد خروجه، يئن قلبها من شدة الحزن والوجع.
قائلة لنفسها بألم: ساعدني ياربي في اللي أنا فيه، وواضح أوي إن كلامي فعلاً صح، ده حتى مفكرش يدافع عن نفسه وسابني في الحيرة اللي أنا فيها دي.
ظل البوص داخل مكتبه إلى وقتٍ متأخر من الليل، ينفث سيجاره بحنق متذكراً كلماتها التي ما تزال عالقة بأذنيه، ولأول مرة لا تخشاه وتتحداه هكذا.
شرد بنفسه بعيداً متساءلاً عدة تساؤلات كيف علمت بكل هذا، هل تراقبني… هل بحثت هنا ما بين الأوراق، زفر بضيق عندما شعر أنها تخفي أشياء أخرى بداخلها لم تعبرعنها بعد.
ضم قبضته اليمنى بقوة يريد إفراغ ما به من غضب بوجه أحدهم، وإلا سينفجر من الانفعال الداخلي، نظر بساعة يده وجدها الواحدة والنصف صباحاً.
لم يشعر بالنعاس طوال هذا الوقت المتأخر، من كثرة التفكير المشتت بداخل عقله…. نهض من مكانه مغادراً مكتبه.