البوص الجزء الخامس
أغلقته خلفها بهدوء بالغ بصرت فوجدته جالساً على الأريكة الموجودة بغرفة الإستقبال، واضعاً كفيه على وجهه.
اقتربت منه بخطى بطيئة، بمزيج من التردد والتوتر، استجمعت شجاعتها قبل أن تخونها، هامسة باضطراب: فتحي لغاية إمتى هتفضل زعلان مني.
تفاجىء بوجودها أمامه، تجهمت ملامحه عند رؤيتها أمامه قائلاً بغلظة: مين اللي سمحلك بالخروج من إوضتك.
لمعت عيونها بعبرات متأثرة بحديته معها قائلة بحزن: أنا اللي سمحت لنفسي لإن مبقتش قادرة على بعدك عن أكتر من كده.
احتقن وجهه للحظات ثم هب من مكانه تاركاً إياها متجاهلاً لما تقوله متجهاً صوب غرفته.
لحقت به وأمسكته من ذراعه تترجاه بقولها اليائس: فتحي أنا عارفه إني غلطت وأخدت عقابي من ربنا ومنك، أرجوك كفاية كده.
تأمل لذلك المحيا الحزين قائلاً بجمود: روحي نامي دلوقتي بدل ما أزعلك أكتر …. قاطعته باحتضانها إياه بإسلوبٍ مباغت هامسة بلهفةً حزينة: أنا بحبك يا فتحي ومش قادرة على هجرك ليه تاني… مبقتش متحملة فراقك.
ظل عاصي طوال الليل مستيقظاً من كلمات فريدة عن الطبيب الذي تقدم لخطبتها، بعد تغيرها الشديد ناحيته، وهو الذي قام بربايتها منذ الصغر ساهراً عليها عندما تكون مريضة، حتى عندما كبرت يهتم بشئونها في كل شيء.
وإذا مرضت يذهب بها للطبيب ويسهر بجوارها… مثلما كانت طفلة فهي من وجهة نظره لاتزال تلك الصغيرة.
التي تستقبله دائماً بابتسامتها العذبة المملوءةً بالبراءة، الذي لا ينساها أبداً، وخجلها منه طوال الوقت واحمرار وجنتيها التي تزيدها جمالاً ورقة وجاذبية لديه كلما إلتقت عيونهم سوياً.
وعندما يكون غاضباً منها أو من أي شيء آخر، يرى خوفها منه والخشية من مجرد التحدث إليه، أو الإقتراب منه.
لكن الآن ها ذي قد تبدلت أحوالها وأصبحت ليست هكذا.
بل أصبحت جريئة على عكس المعتاد بدليل أنها لم تعترض على خطبتها من ذلك الطبيب.
هب من فراشه شارد الذهن شاعراً بأن رأسه سينفجر من كثرة التفكير بها.
ضم قبضتيه بغيظ قائلاً بحدة: إن ما أدبتك من أول وجديد يا فريدة مبقاش أنا عاصي.
جلس سليم لوقتٍ متأخر من الليل داخل مكتبه شارد الذهن في تلك الملامح المتعبة اليوم شاعراً كأنها تُخفي عليه شيئاً ما تخشى إخباره بها.
عقد حاجبيه بحدة مفكراً بنفسه، ما هو هذا الشيء استند برأسه إلى مقعده، تنهد بضيق لم يعتاد على ذلك.