البوص الجزء الأول بقلم يمنى عبدالمنعم
أغمض عيونه بقوةً متحملاً آلام كلماتها ووقعها في نفسه وهو يضمها إليه بعطف وحنان رافعاً إياها بين ذراعيه متجهاً بها إلى غرفة شقيقته قائلاً بهدوء ظاهري: إوعي تقولي كده يا عمري ربنا موجود وأنا معاكِ أهوه وعُمري ما هسيبك ولا هتخلى عنك أبداً.
نامت فريدة على كتفه بعد أن طمئنها أنه لن يتركها بمفردها… تعاني مرارة اليتم والحرمان.
وضعها برفقة شقيقته على الفراش لتنام جيداً، ثم جلس بجوارها يتأملها وبتساؤلات عديدة تشغل تفكيره، مد يده يتحسس شعرها الناعم بحنان بالغ.
هامساً لنفسه بتأكيد:- عايزك متقلقيش من أي حاجه يا فريدة مادام أنا جنبك…. هتعيشي معانا هنا وهكون مسئول عنك انتِ وملك وهربيكم انتم الأتنين سوا… ومش هقبل في أي يوم من الأيام ان حد يزعلكم أبداً.
ومنذ هذه اللحظة صارعاصي بالنسبة لفريدة بمثابة… أباً وأخاً كبيراً لها بعد أخذه على عاتقة تولي رعايتها وربايتها في كل شيء، ورغم ذلك لم يعد يفهم تصرفاتها الأخيرة معه كلما تلاقت نظراتهم معاً.
فهو يلاحظ توترها وهروبها الدائم منه…. عندما يريد التحدث معها في أي شيء، حتى وهو يقوم بإيصالها لكليتها تتحلى بالصمت الدائم أو تنشغل بكتاب ما في يدها.
دون أن تتواصل معه كعادتها الملحة…. ورغبتها الدائمة في الوجود بصحبته والتحدث إليه منذ الصغر، حتى وهو مشغول بعمله.
تنهد عاصي وهو ينفض عن رأسه تلك الذكريات التي تظل حبيسةً داخل قلبه دون البوح بها حتى لنفسه، فهو يراها دائماً، كالزهرة التي تفتحت وترعرت من أجله فقط…. لا حتى من أجل نفسها….
تمدد على الفراش يحاول النوم بعد تذكر كلماتها الأخيرة لديه الليلة…. زافراً بحرارة قائلاً لنفسه بتوعد: ماشي يا فريدة إياك متكونيش بتكدبي عليه وأنا بقى ساعتها هعرف شغلي معاكِ.
أتى إبراهيم بالحبل المتين مثلما طلب منه البوص، وأمره الأخير بربط ملك من مرفقيها وقدميها وتكميم فمها، حتى لا تقوى على الفرار أو التحدث.
اتسعت عيونها بذعر هامسة لنفسها بهلع: شايفة هيعملوا فيكِ إيه…. لحظة غضب واحده من أخوكِ عاصي ضيعتك بدون تفكير… إنتِ الغلطانة يا ملك…. إنتِ اللي سيبتيه وهربتي بمزاجك…. وآدي نتيجة تسرعك وقعتي في إيد واحد مبيرحمش حد.
تيبست في مكانها بعد أن قيدها ابراهيم مثلما أمره البوص قائلاً: كل حاجه تمام يا بوص.