عند مفترق الطرق الجزء الثالث
بالرغم من تهيئ مالك لتلك المعركة النفسية مسبقًا إلا إنه كان من الصعب عليه سماع تلك الكلمات من أعز الأشخاص على قلبه .. لذا بادره مستنكرًا
– متقولش كدا يابا .. بعد الشر عليك
رمقه المسن بنظرة جانبية متهكمة وهو يضغط على رأس عصاه مرددا ..
– الشر .. الشر ما هو خلاص هيطولني بفضلك يا حضرة الضكتور على أخر الزمن وهتكون سيرتي وسيرة أهل بيتي اللي صاينها طول عمري في بوق الناس زي اللبانة اللي ملهاش صاحب ..
مرشقًا إياه بحدة نظرته وهو يستأنف ..
– ولا أوعى تكون مش فاكر بأن بعد يومين تلاتة الخبر مش هيشيع في بلدنا والعزب اللي حواليها بأن ابن حسنين أبو العزم مقربش من مرته حلاله وعازم يطلقها لأن لسه على أمله القديم أن يرضى عليه سيادة اللوا الكبير ويجوزه بنته ست الحسن والجمال ..
سماع مُر الحقيقة بمخالب نبرة والده التهكمية زعزع ثباته واضمر الكثير من الحزن بداخله ولكنّه سريعًا ما روضه باستنشاقٍ هادئ وخفوت نبرته ..
– أنا عارف أن مهما قلت مش هيشفعلي عذر قدامك .. لأن ابنك العاقل اللي طول عمره ما بيغلطش غلط غلطة أكبر من أن السنين والأعذار تغفرها عندك .. بس صدقني أنا
فأجفله انفاس والده الغاضبة تقاطع عليه بشدة ..
– أي عذر ده اللي هيشفعلك يا ضكتور أنك سلمت عقلك لوحده ست مش من توبنا تمسحه بأستيكة رغم اللي شفناه منها ومن ابوها على مدار السنين دي كلها .. مش مقدر في نفس الوَقِت بنت الأصول اللي عفت نفسها ليك وادتك قوتها أنها تتحمل دا كله معاك لوحدِها في غربة بلاد وابحار ..
فهمّ يصحح له بندم ..
– كنت يابا .. كنت صدقني
فنهره بحده ..
– كنت بعد إيه! .. ولا هيفيد بأيه ندمك دلوقت .. ما خلاص سرك اتفضح وهيفضل نقطة سودا في تاريخك العمر كله
ليعاجله مالك بإندهاش ..
– ليه يابا دا ربنا من فوقنا بيقبل التايب وبيطهره من ذنبه حتى لو بلغت معاصيه السموات .. وكنت طمعان فيكم بحكم خبرتكم وسنين عمركم متردونيش خايب الرجا وطهروني كمان ..
للمرة الأولى تخلى العجوز عن نبرته التهكمية وواجهه باستياءٍ مرير ..
– وأنا أهو بقولك بحكم نفس السنين اللي بتناشد بيها أن جرحك شديد قوي مش هيداوى في قلوبنا بالساهل ..
ثم اتبعها يشاور على صدره بنوبة جنون مؤقتة كادت تفقده عقله ..
– دا أني بعد ما أبوها شيعلي وعرفت منه باللي حصل وتصميمه على تطليقها منك قبل ما أنت تعملها عشان يرد كرامتها .. مكنتش مستوعب بأنه بيحكي عليك أنت دونًا عن الخلق كلها .. ابني العاقل الراسي صاحب الحكمة والتقى غير اخواته كلهم في مشوار تربيته يعمل فيا كدا وفي بنت الناس .. لحظتها حسيت نفسي متعري قوي ولساني مربوط ومش عارف ارفع عيني فيه ..