عند مفترق الطرق الجزء الثالث
مع نبرته المعاتبة انخفض بصرها باستحياء لبرهةٍ قصيرة.. لتلقي عليه عذرها ما أن استحست بغفوتها الغير مقصودة..
ـ ممكن تقول مكنتش متأكده أن هعرف أوصل لأي باب شغل بالسرعة دي.. أو بالمعنى الأصح مجرد فكرة كنت حساها عمرها ما هتتحقق.. فـ ليه أعمل بلبلة و مشاكل على الفاضي..
عقب سماع مبررها سارع فؤاده العاشق يحتضن محياها رغمًا عنه بحالمية.. ممتنًا لتلك المناقشة الحكيمة بينهما لتفسير جرأتها في هذا القرار و التي طيبت جرحه كرجل قليلاً.. فقال متنهدًا..
ـ تمام يا بنان و أنا كمان هفترض حسن النية في تصرفك بناءً على وجهة نظرك و اتغاضى عنها.. و اللي بناءً عليها برضه هوجهلك سؤالي الوحيد..
مستأنفًا و هو يحدجها بقوة.. ليه؟!
فطالعته بحدقتيها مستفسرة ليسترسل حديثه موضحًا بتأني شغوف..
ـ ليه عاوزه تشتغلي؟!.. ليه جاتلك الفكرة من الأساس و كل حاجة موفرها قدامك الحمدلله.. غير أن بسيبلك فلوس بزيادة كل يوم قبل ما انزل عشان لو احتاجتي حاجة تشتريها من نفسك لو محرجة تقوليلي عليها و أنتي اللي مبتلمسهاش للأسف و برجع ألاقيها زي ماهيه.. فيبقى ليه؟!
ـ لأن مش مـن حـ..
ألقت عليه جملتها تلك بنفاذ صبر إلا أنها اختنقت بها و لم تكملها لِمَ رأت في الصمت مهابة تحفظ الكرامة.. فكيف تخاطبه بأنه و أمواله ليسا من حقها وفقًا لانفصالهما الحتمي.. و أنه على وشك استخدامها گ بديل مؤقت عن حبيبته في أيام فارغة مملة.. و الأهم طرحها خارج تلك الشقة بات على صفيحٍ ساخن..
رغم أن من داخلها ودّدت لو صرخت في وجهه بكل ما يعتليها من ألم دفعة واحدة.. و لكن ما فائدة البوح و هو خاصة سبب آلامها.. لهذا استأنفت بنفسٍ عميق حجّر عبراتها من السقوط..
ـ أنا مش مجبرة اشرحلك اسبابي بالتفصيل.. كل اللي محتاجاه منك دلوقت تساندني في قراري زي ما دعمتك في قرارك عشان أقدر ابني نفسي و حياتي بعد الانفصال..
الانفصال!
مصطلحها الأخير كان شعلة لأن تقدح عيناه شزرًا و يرافقه الجنون.. فـعن أي انفصال ما زالت تزيد و تعيد تلك الحمقاء.. ألم تقرأ حدقتاه يومًا.. ألم تكلف نفسها بعض العناء و تسألها لِمَ هو بات قريبا منها بهذا الشكل.. لِمَ هو مهتم.. حاني.. متلهف.. أم .. أم أنها تعي لكل ذلك و تعذبه!
هتف بفرضيته الأخيرة بإحباط لم تصيبه به إمرأة قبلها.. ربما لأنها ليست گأي إمرأة صادفها.. إمرأة إلى الآن مازالت صامدة تواجه خذلاتها المؤلمة بكل كبرياء.. و لا تمنح العفو إلا بشق الأنفس.. و لكنه يآمل أن يسلبها إياه عمّا قريب ليكون معجزته الخاصة معها!
لهذا سارع برسم ابتسامة هادئة على شفتيه، متمتمًا..
ـ تمام يا بنان و أنا موافق..
ثم واصل باصرار عينيه المستميت..
ـ بس تحت وصايتي و عيني..