كبرياء من رماد

الفصل الأول: قفص من ذهب وكلمات من رصاص
فاحت رائحة الشواء الفاخر الممزوجة بعبق التوابل الشرقية في أرجاء غرفة الطعام الواسعة. كانت ليلى تضع اللمسات الأخيرة على المائدة الطويلة، ترتب كؤوس الكريستال بدقة هندسية، وتتأكد من أن المناديل الحريرية مطوية بعناية فائقة تليق بضيوف زوجها. انعكست صورتها على سطح المرآة الفضية المعلقة على الحائط؛ امرأة في أوائل الثلاثينيات، ذات ملامح هادئة وجمال كلاسيكي، ترتدي فستاناً أسود بسيطاً وأنيقاً، لكن عينيها كانتا تحملان انطفاءً لا تخطئه عين الخبير.
فُتح باب الشقة الفارهة بصخب، ودخل طارق بخطواته الواثقة التي تملأ المكان ضجيجاً. خلع سترته ورماها بإهمال على أقرب مقعد، ثم رمق المائدة بنظرة فاحصة، متجاهلاً ابتسامة ليلى التي استقبلته بها.
“إيه يا ليلى الدوشة دي كلها؟” قالها طارق وهو يفك رابطة عنقه بانزعاج مفتعل. “أنا قايلك إنهم تلاتة من مديري الفروع معايا، مش عزومة للقبيلة كلها!”
ابتلعت ليلى غصتها المعتادة، واقتربت منه بصوت خافت ولطيف: “أنا بس حبيت أعمل حاجة تشرفك قدامهم يا طارق.. وعملتلك الصنف اللي بتحبه.”
أطلق طارق ضحكة ساخرة قصيرة، ومسح على سترته باهتمام بالغ: “تشرفيني؟ يا بنتي الناس دي متعودة على مطاعم خمس نجوم، مش أكل بيتي وشموع رومانسية.. عموماً، ياريت تخليكي في المطبخ تتابعي الشغالة، ومش عايزك تدخلي في كلامنا خالص، ماشي؟”
أومأت برأسها في طاعة عمياء، وهي تشعر ببرودة تسري في أوصالها. “حاضر يا حبيبي.. اللي تشوفه.”
لم تمضِ نصف ساعة حتى امتلأ المنزل بضحكات الرجال وأحاديثهم المتعالية عن صفقات العقارات وأسهم البورصة. كانت ليلى تتحرك كشبح أنيق، تفرغ الصحون وتملأ الكؤوس بابتسامة مرسومة بدقة على شفتيها.
في لحظة من اللحظات، توقف الحديث حول صفقة خاسرة في سوق الأسهم، وكان حسام، أحد أصدقاء طارق المقربين، يتحدث بانفعال عن غباء أحد المستثمرين. وقفت ليلى خلف مقعد طارق، وبحكم دراستها القديمة للاقتصاد التي تخلت عنها من أجله، انزلقت من فمها جملة عفوية: “بس يمكن هو اعتمد على مؤشرات الربع التاني عشان كدة غامر بالسيولة دي كلها.. القراءة دي واردة جداً في السوق.”
ساد صمت مفاجئ على المائدة. التفت حسام إليها باهتمام، بينما توقفت الشوكة في يد طارق، وتصلبت ملامحه. نظر طارق إلى ليلى نظرةً كفيلة بصهر الحديد، ثم التفت إلى أصدقائه وانفجر في ضحكة مدوية، مصطنعة ومبالغ فيها، حتى دمعت عيناه.
“مؤشرات إيه وسيولة إيه بس يا ليلى!” قالها طارق بصوت عالٍ وهو يلوح بيده كمن يطرد ذبابة مزعجة. “يا جماعة معلش، اعذروها.. ليلى آخرها تعرف مؤشرات أسعار البصل والطماطم في كارفور، إنما بورصة إيه؟ دي لو مسكت آلة حاسبة ممكن تفرقع في وشها!”
ضجت المائدة بضحكات الرجال مجاملةً لمديرهم. ضحكوا وكأنها أطرف نكتة سمعوها في حياتهم.
أكمل طارق، مستمتعاً بنشوة السيطرة وتحطيمها أمامهم: “أنا دايماً أقولها.. كتر خيرك إنك بتعرفي تفرقي بين الكركم والكاري.. سيبي الاقتصاد لأسياده يا حبيبتي، وروحي شوفي الحلو جهز ولا لسه.”
تجمدت ليلى في مكانها لثانيتين. شعرت وكأن مئات الإبر تنغرس في وجهها. الد.,,ماء تغلي في عروقها، وكرامتها تُسحق تحت أحذية الحاضرين. لكن سنوات الترويض والتعود على الإهانة جعلت رد فعلها آلياً. رسمت على شفتيها تلك الابتسامة الباهتة

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *