كبرياء من رماد
الفصل الثالث: رقصة الأفاعي خلف الستار
استيقظت ليلى في الصباح التالي وهي تشعر ببرودة غريبة تسكن أطرافها، لم تعد تلك الحرقة التي كانت تمزق صدرها موجودة، حل محلها هدوء مخيف، هدوء ما قبل العاصفة. نظرت إلى طارق وهو غارق في نومه، ورأت فيه للمرة الأولى وحشاً من ورق، رجلاً يستمد قوته فقط من ضعفها.
قررت ليلى أن تلعب اللعبة بقواعده، بل وأسوأ. بدأت يومها بتجهيز الإفطار الذي يحبه، وبنبرة صوت تحمل كل علامات السذاجة المعهودة، اقتربت منه وهو يرتدي ساعته الفاخرة.
“طارق حبيبي.. الورق اللي قولتلي عليه بتاع الأرض.. أنا جاهزة أمضي عليه النهاردة، بس كنت بفكر في حاجة كدة على قدي.” قالتها وهي تسبل جفنيها ببراءة مصطنعة.
نظر إليها طارق بملل: “حاجة إيه يا ليلى؟ ما قولتلك دي إجراءات روتينية عشان المشروع يكبر ونبقى أغنى.”
ردت ليلى بابتسامة غبية: “أيوة يا روحي فاهمة.. بس المحامي بتاع بابا الله يرحمه كان قايلي إن الأرض دي فيها مشاكل في التسجيل.. إيه رأيك تخليني أمضيلك توكيل عام شامل؟ كدة تقدر تتصرف في كل حاجة من غير ما توجع دماغي بالورق كل شوية، وأنا أصلاً مابفهمش في الحاجات دي وبصدع.”
لمعت عينا طارق بجشع لم يستطع إخفاءه. توكيل عام شامل؟ هذا يعني أنه سيضع يده على كل قرش تملكه دون مجهود.
“والله يا ليلى ساعات بيطلع منك أفكار معقولة!” ضحك طارق وهو يقرص وجنتها باستخفاف. “ماشي يا ست العاقلة.. هخلي المحامي يجهز التوكيل ونتقابل في الشهر العقاري بكرة.”
بمجرد خروجه، تحولت ملامح ليلى. أخرجت هاتفاً قديماً كانت قد خبأته منذ سنوات، واتصلت برقم لم تطلبه منذ وقت طويل.
“ألو.. أستاذ عادل؟ أنا ليلى.. بنت المستشار توفيق.. محتاجة أقابلك ضروري، بس في سرية تامة.”
كان عادل هو تلميذ والدها النابغ، والمحامي الذي طالما حذرها من طارق قبل الزواج. وفي مكتبه الصغير بعيداً عن أعين معارف طارق، حكت له كل شيء.
“يا بنتي التوكيل ده انتحار!” صرخ عادل بذهول.
ردت ليلى بجمود: “ده الفخ يا متر.. أنا عايزاه يحس إنه ملك كل حاجة، عشان لما يسقط، السقطة تبقى من سابع سما.. أنا عايزة أعرف إزاي أورطه في القروض اللي بيسحبها بضمان الشركة، وإزاي أوصل لملفات الضرائب اللي بيزورها عشان رانيا هانم.”
بدأت ليلى في تنفيذ الجزء الثاني من الخطة: “زرع الشك”. علمت من محادثات “التابلت” أن طارق يشعر بالغيرة الشديدة على رانيا. قامت ليلى بشراء شريحة هاتف مجهولة، وأرسلت لطارق رسالة نصية قصيرة: “مبروك على الصفقة الجديدة يا بطل.. بس يا ترى رانيا قالتلك إنها كانت بتتعشى مع المنافس بتاعك ‘أكرم سليم’ امبارح بليل في الزمالك؟”
عادت ليلى إلى البيت، لتجد طارق في حالة غضب عارمة، يصرخ في الهاتف مع رانيا التي كانت تحاول إقناعه بأنها كانت في المنزل.
“جرى إيه يا طارق؟ مالك متعصب كدة ليه يا حبيبي؟” سألته ليلى وهي تضع كوب العصير أمامه ببرود.
“مفيش يا ليلى! قولتلك مية مرة ماتدخليش في اللي مالكيش فيه!” صرخ فيها وهو يلقي بهاتفه على الأريكة.
انحنت ليلى لتلتقط الهاتف، وفي لحظة خاطفة، وبحجة مسحه من الغبار، قامت بتثبيت تطبيق تجسس صغير كانت قد تعلمت كيفية استخدامه من فيديوهات على الإنترنت في الساعات الماضية.
نظرت إليه وهو يدخن سيجارته بغل، وقالت بلهجة مصرية ساخرة داخل عقلها فقط: “اشرب يا طارق.. لسه التقيل ورا.. البغبغان النهاردة قص ريشك من غير ما تحس، وبكرة هخليك تلف حوالين نفسك وأنت مش عارف الضربة جايلك منين.”
وفي المساء، وبينما كان طارق يظن أنه يقترب من حلمه بالاستيلاء على أرضها، كانت ليلى تجلس في غرفتها، تراقب عبر هاتفها السري تحركاته، ومكالماته، وصفقاته المشبوهة.. كانت تبني له سجناً من الذهب، مسماراً بمسمار.
[٢٨/٣ ١٢:٠٢ ص] Rania: الفصل الرابع: حبال الغسيل القذرة
مر أسبوعان على توقيع التوكيل العام. كان طارق يشعر وكأنه ملك العالم؛ الأرض أصبحت تحت تصرفه، والسيولة المالية التي سحبها بضمان الشركة بدأت تتدفق لتمويل مشروعه “الحلم” مع رانيا. لم يلحظ أن ليلى كانت تراقب كل حركة، وكل تحويل بنكي، من خلال تطبيق التجسس وهاتفها السري.
في صباح يوم عاصف، كانت ليلى تجلس في الصالون، تتظاهر بقراءة مجلة طبخ، بينما كان طارق يصرخ في هاتفه بالغرفة المجاورة.
“يعني إيه يا رانيا؟ السيولة اللي سحبناها من البنك طارت في إيه؟ إنتي مش قولتلي إن شركة التوريدات دي مضمونة؟” صاح طارق بغضب.
دخلت ليلى الغرفة وعلى وجهها نظرة قلق مصطنعة: “في حاجة يا حبيبي؟ شكلك متعصب أوي.. أشغلك موسيقى هادية تريح أعصابك؟”
نظر إليها طارق باحتقار وكأنه يرى حشرة: “موسيقى إيه وزفت إيه! غوري من وشي دلوقتي يا ليلى، مش ناقص خيبة تقيلة!”
خرجت ليلى وهي تبتسم بداخلها. كانت هي من قامت، بمساعدة “عادل” المحامي، بتسريب معلومات مغلوطة لشركة التوريدات التي تتعامل معها رانيا، مما جعلهم يرفعون الأسعار ويطالبون بدفعات مقدمة ضخمة، وهي نفس الشركة التي يملك فيها “أكرم سليم” – منافس طارق اللدود – نصيباً خفياً.
في المساء، وبينما كان طارق غارقاً في أوراقه، أرسلت ليلى رسالة أخرى من الرقم المجهول: “طارق بيه.. رانيا هانم فتحت حساب سري في سويسرا باسمها هي بس.. تفتكر الفلوس اللي ناقصة من المشروع راحت فين؟”
جن جنون طارق. بدأ يراقب رانيا، وبدأ التوتر يمزق علاقتهما. لم يعد يثق بكلمة تقولها، وهي بدورها بدأت تمل من عصبيته واتهاماته، خاصة وأنها كانت تظن أنها تسيطر عليه.
لكن الضربة الأقوى كانت في “التوكيل”. ليلى، ومن خلال المحامي عادل، بدأت بسحب مبالغ صغيرة بانتظام من حسابها المشترك مع طارق، وتحويلها إلى حساب مجهول في الخارج، لتبدو وكأنها عمليات اختلاس من داخل الشركة.
دخلت ليلى المكتب وهي تحمل كوباً من القهوة، وقالت بنبرة مصرية بريئة: “بقولك إيه يا طارق.. أنا كنت ماشية في الشارع النهاردة وشفت رانيا واقفة مع واحد كدة، شكله غريب.. أول ما شافوني ركبوا العربية وجريوا.. هو فيه حاجة بينكم وبين شركة ‘أكرم سليم’؟”
انتفض طارق من مقعده: “شوفتيها فين؟ ومع مين؟ أنطقي!”
ليلى بهدوء: “يا حبيبي اهدا.. أنا قولت يمكن شغل.. بس الراجل ده كان ماسك ملف أزرق شبه اللي كان عندك هنا.. أنا قولت يمكن غلطانة، إنت عارفني في الأشكال مابركزش.”
تركها طارق وخرج كالمجنون متجهاً إلى مكتب رانيا. وفي تلك اللحظة، رفعت ليلى هاتفها واتصلت بعادل: “عادل.. جهز بلاغ الرقابة الإدارية عن مخالفات شركة طارق.. الفخ اتقفل خلاص، والنهاردة بليل هنرمي الطعم الأخير.”
عادت ليلى إلى المطبخ، وبدأت تغني دندنة خفيفة وهي تحضر “الكيكة” التي سخر منها طارق سابقاً. نظرت إلى الساعة وقالت بلهجة مصرية ساخرة: “اشرب يا سي طارق.. زمان رانيا دلوقتي بتاكل في وشك، وزمان ‘أكرم’ بيجهز العقد اللي هيخلص عليك.. البغبغان النهاردة هيخليك تدفع تمن كل كلمة وكل نظرة استصغار.. الحساب كبر أوي يا حبيبي، ووقت الدفع جه.”
في تلك الليلة، وقع طارق على أوراق قرض ضخم جديد بضمان “أرض ليلى”، دون أن يعلم أن الأرض قد تم الحجز عليها تحفظياً قبل ساعات فقط بدعوى قضائية رفعتها ليلى سراً بتهمة “التلاعب بالأملاك الورثية”، مما جعل القرض الذي وقعه فخاً قانونياً سيقوده مباشرة إلى السجن بتهمة النصب على البنك.
[٢٨/٣ ١٢:٠٢ ص] Rania: الفصل الخامس: سيمفونية السقوط المدوي
كانت القاعة الكبرى في الفندق العائم تضج بالحياة؛ أضواء خافتة، موسيقى كلاسيكية راقية، ونخبة المجتمع من مستثمرين ورجال أعمال يتهامسون عن “مشروع العمر” الذي سيطلقه طارق الليلة. كان طارق يقف في المنتصف، يرتدي بذلة إيطالية باهظة، وبجانبه رانيا التي تألقت بفستان أحمر ناري، وكلاهما يتبادلان نظرات المنتصرين، رغم التوتر المكتوم الذي زرعته ليلى بينهما طوال الأسبوع الماضي.
في زاوية بعيدة، كانت ليلى تقف بهدوء، ترتدي فستاناً من الحرير الأزرق الداكن، بدت فيه كأميرة من عصر مضى. لم تكن تتحرك كثيراً، بل كانت تكتفي بابتسامة غامضة لكل من يحييها.
اقترب منها طارق، وهمس في أذنها بحدة وهو يبتسم للكاميرات: “إيه اللي موقفك كدة زي فازة الورد المكسورة؟ روحي سلمي على مراتات المستثمرين، وحاولي ما تفتحيش بوقك كتير عشان ما تفضحيناش بجهلك.. فاهمة؟”
نظرت إليه ليلى بعينين يلمع فيهما بريق غريب، وقالت بصوت ناعم: “حاضر يا حبيبي.. أنا بس مستنية اللحظة اللي هتعرض فيها الفيلم الترويجي للمشروع.. اللحظة دي هي اللي هتحدد كل حاجة.”
ضحك طارق بغرور: “طبعاً.. دي اللحظة اللي هبقى فيها في حتة تانية خالص.. روحي يا ليلى، روحي.”
حان وقت العرض. صعد طارق إلى المنصة، وأمسك بالميكروفون، وساد الصمت في القاعة. بدأ يتحدث عن طموحه، وعن الشراكة “المقدسة” مع رانيا، وعن الأرض التي كانت حجر الزاوية في هذا النجاح.
“ودلوقتي، هسيبكم مع عرض بيوضح تفاصيل المعجزة اللي حققناها..” أشار طارق بيده نحو الشاشة العملاقة خلفه.
انطفأت الأنوار، وبدأ العرض. لكن بدلاً من صور الأبراج والمخططات الهندسية، ظهرت صورة مكبرة لرسائل “الواتساب” بين طارق ورانيا.. الرسائل التي يسخران فيها من ليلى، والرسائل التي يخططان فيها لسرقة أرضها ورميها في الشارع.
ساد وجوم قاتل في القاعة. تسمر طارق في مكانه، وتحول وجه رانيا إلى اللون الشاحب كالجثث. لم يتوقف العرض هنا، بل بدأت تظهر وثائق بنكية رسمية، كشوفات حساب تثبت تحويل مبالغ ضخمة لشركات وهمية، وبلاغات مقدمة للرقابة الإدارية تتهم طارق بالنصب والاحتيال الضريبي.
وفوق كل ذلك، تسجيل صوتي لطارق وهو يقول لرانيا: “المستثمرين دول شوية مغفلين، هسحب فلوسهم وأهرب بيكي على سويسرا قبل ما يحسوا بحاجة.”
انفجرت القاعة بالهرج والمرج. المستثمرون بدأوا بالصراخ، ورجال الأمن دخلوا القاعة ومعهم رجلان بملابس مدنية.
نزلت ليلى من مكانها، ومشت بخطوات ثابتة نحو المنصة. وقفت أمام طارق المنهار تماماً، والذي كان يحاول عبثاً إيقاف الشاشة.
أمسكت ليلى بالميكروفون وقالت بهدوء وصل لكل زاوية في القاعة: “أحب أعرفكم بنفسي.. أنا ‘البغبغان’ اللي طارق بيه كان بيسخر منها.. أنا ‘العجينة’ اللي كان فاكر إنه بيشكلها على مزاجه.”
التفتت إلى طارق الذي كان ينظر إليها بذهول ورعب، وقالت له بلهجة مصرية قاطعة كالسيف: “فاكر يا طارق لما قولت إني آخري أعرف أسعار البصل والطماطم؟ أديك عرفت النهاردة إن البغبغان لما بيفهم اقتصاد، بيعرف يهد معابد فوق دماغ أصحابها.. الأرض اللي كنت عايز تسرقها، اتحجز عليها من الصبح.. والفلوس اللي كنت فاكر إنك بتسحبها من ورايا، بقت دلوقتي عهدة في المحكمة بتهمة الاختلاس.”
اقترب منها الضابط، فأشارت له نحو طارق: “اتفضلوا يا فندم.. ده طارق بيه، صاحب مشروع ‘الوهم’ الكبير.”
بينما كان رجال الشرطة يقتادون طارق ورانيا وسط صيحات الاستهجان، وقف طارق للحظة أمام ليلى، كان يحاول الكلام، لكن صوته خانه.
قالت ليلى وهي تنظر في عينيه للمرة الأخيرة: “على فكرة يا طارق.. أنا مكنتش بغبغان.. أنا بس كنت مستنية اللحظة اللي تفتكر فيها إنك طرت، عشان أوريك السقطة بتبقى شكلها إيه.. اشرب يا حبيبي، الحساب لسه مخلصش.”