كبرياء من رماد
خرجت ليلى من القاعة، تاركة خلفها حطام رجل وحطام حلم، وفي الخارج، تنفست هواء الليل البارد، وشعرت لأول مرة منذ سنوات، أنها ليست ملكاً لأحد.. سوى نفسها.
[٢٨/٣ ١٢:٠٢ ص] Rania: الفصل السادس: فجر الحرية
بعد مرور ستة أشهر على ليلة السقوط المدوي، كانت شمس الصباح تشرق على مكتب أنيق في أحد الأبراج الإدارية المطلة على النيل. لم يعد المكان يفوح برائحة “السيجار” المتكبرة، بل بعبير القهوة الفرنسية ورائحة الورق الجديد. خلف المكتب، كانت ليلى تجلس بكامل ثقتها، تدير شركة الاستشارات الاقتصادية التي أسستها من بقايا أرض والدها التي استردتها بالقانون.
رن جرس الهاتف، كان عادل المحامي على الخط: “ألف مبروك يا ليلى.. الحكم النهائي صدر النهاردة الصبح. طارق خد ٧ سنين سجن مشدد بتهمة النصب والاختلاس، ورانيا لبست ٣ سنين اشتراك وتزوير.”
تنفست ليلى الصعداء، لم تشعر بالشماتة بقدر ما شعرت بالراحة. “شكراً يا عادل.. لولا مساعدتك كان زماني لسه بمسح جزمته في البيت.”
رد عادل بضحكة: “إنتي اللي كنتِ المايسترو يا ليلى.. أنا بس كنت العازف.”
في تلك الأثناء، وفي زنزانة ضيقة وباردة، كان طارق يجلس على حافة سريره المهترئ. كانت بذلته الإيطالية قد استُبدلت بملابسالسجن الزرقاء الباهتة. كان ينظر إلى الحائط الصخري، وأصداء ضحكاته القديمة الساخرة من ليلى تتردد في أذنيه كالسياط. لم يعد هناك خدم، ولا مستثمرون يصفقون له، ولا رانيا التي تخلت عنه في أول جلسة تحقيق وحملته كل المسؤولية.
دخل عليه الحارس وألقى له بصحيفة قديمة: “خد يا طارق.. اتسلى بشوف أخبار الهوانم اللي كنت بتعرفهم.”
وقع بصره على صورة ليلى في صفحة المال والأعمال، تحت عنوان: “ليلى توفيق.. قصة نجاح ملهمة من الرماد إلى القمة”. بدت في الصورة أجمل وأقوى مما رآها يوماً.
قبض طارق يده بغل ونطق بمرارة وصوت مكسور: “والله يا ليلى.. مكنتش أعرف إنك بالدهاء ده.. أنا اللي كنت غبي، مش إنتي.”
في المساء، عادت ليلى إلى بيتها الجديد، بيت صغير لكنه دافئ، ليس فيه “أقفاص ذهبية”. وقفت أمام المرآة، نظرت إلى انعكاسها بابتسامة حقيقية هذه المرة. لم تعد ترى تلك المرأة المنطفئة.
أمسكت بهاتفها، وحذفت آخر رسالة كانت قد احتفظت بها من “الرقم المجهول”. ثم كتبت على صفحتها الشخصية جملة واحدة بالعامية المصرية، لتكون مسك الختام لرحلتها:
“اللي يفتكر إن كرامة الست ممكن تتداس عشان لقمة عيش أو حيطان بيت، يبقى لسه معرفش يعني إيه ست قررت ترد اعتبارها.. الحساب مش بس بالفلوس، الحساب بالكرامة اللي مابتشريش بكنوز الدنيا.. أشوفك بخير يا ماضي، وماترجعش تاني.”
أغلقت ليلى الضوء، ونامت في سلام، وهي تعلم أن البغبغان لم يعد يردد كلمات الآخرين، بل أصبح هو من يكتب الكلمات.. والآخرون هم من يرددونها خلفه.
– تمت –