كبرياء من رماد
الميتة، وخفضت بصرها.
“عندك حق.. أنا هروح أشوف الكيكة.” قالتها بصوت مكسور، واستدارت نحو المطبخ.
بمجرد أن أُغلق باب المطبخ خلفها، استندت بيديها المرتجفتين على رخامة الحوض الرخامي البارد. أغمضت عينيها بقوة لتمنع دمعة حارقة من السقوط وتفسيد مساحيق التجميل. كانت تسمع ضحكاته من الخارج، تلك الضحكات التي تتغذى على كرامتها يوماً بعد يوم.
“هو رجل أعمال مضغوط..” همست لنفسها بصوت متهدج، محاولةً تبرير قسوته كما تفعل كل ليلة. “هو بيحب يبان قوي قدام أصحابه.. دي طبيعة الرجالة.. لازم أستحمل عشان بيتي ما يتخربش.”
فتحت عينيها ونظرت إلى انعكاسها في زجاج النافذة المظلم. رأت امرأة جميلة، لكنها خاوية من الداخل. لم تكن تعلم في تلك الليلة، وهي تبتلع إهانتها كالمعتاد، أن هذا القفص الذهبي الذي تعيش فيه، على وشك أن يُفتح على أبشع حقيقة، حقيقة ستوقظ وحشاً نائماً بداخلها لم تكن تعرف بوجوده قط.
[٢٨/٣ ١٢:٠١ ص] Rania: الفصل الثاني: حين يسقط القناع وتنكشف الوجوه
مر أسبوع على ذلك العشاء المشؤوم، والحياة استمرت بإيقاعها الرتيب؛ طارق يغرق في “مشاغله” الوهمية، وليلى تغرق في محاولات إرضائه المستحيلة. كانت الشمس تميل نحو الغروب حين عاد طارق إلى المنزل على غير عادته في منتصف الظهيرة، كان يبدو مرتبكاً، يبحث عن أوراق هامة نسيها.
“ليلى! شوفيلي الملف الأزرق اللي كان على المكتب.. بسرعة يا بنتي مش وقت غباء خالص!” صرخ طارق وهو يبعثر الأوراق في ركن المكتبة.
هرعت ليلى لتساعده، وبحركتها الهادئة المعتادة وجدته خلف مقعده. “اهو يا طارق.. كان ورا اللاب توب.”
خطفه منها دون كلمة شكر، واتجه نحو الباب، لكن هاتفه رن فجأة. أجاب باقتضاب وهو يخرج: “أيوه يا رانيا.. دقيقتين وأكون عندك.. اه الأوراق معايا.. ماتقلقيش كله تحت السيطرة.”
أُغلق الباب بعنف، وساد الصمت. التفتت ليلى لتنظم الفوضى التي تركها خلفه، فلاحظت أن طارق في عجلته نسي “التابلت” الخاص به مفتوحاً على طاولة المكتب. لم تكن ليلى من النوع المتلصص، كانت تثق به ثقة عمياء، أو ربما كانت تخشى الحقيقة. لكن تنبيهاً ظهر على الشاشة، رسالة من “رانيا”.
قرأت الجملة الأولى التي ظهرت في الإشعار، فشعرت ببرودة تجمدت لها دماؤها: “تفتكر البغبغان اللي عندك في البيت دي هتحس بحاجة لو مضت على التنازل الليلة؟”
امتدت يد ليلى المرتجفة نحو الجهاز. كانت أنفاسها تتسارع، وقلبها يدق في أذنيها كطبل حرب. فتحت محادثة “الواتساب” بين زوجها وبين امرأة تُدعى رانيا، وبدأت تقرأ.. وتقرأ.
كانت الكلمات كالسكاكين تمزق روحها. لم تكن خيانة جسدية فحسب، بل كانت خيانة إنسانية كاملة.
رانيا: “بقولك إيه، أنا مش قادرة أستحمل تمثيلية الزوج المخلص دي كتير.. اخلص منها بقى.” طارق: “يا روحي اصبري.. ليلى دي زي العجينة في إيدي، شوية كلام عن الحب وشوية تريقة على غبائها بتصدق إنها من غيري ولا حاجة.. أنا بس مستني تخلص إجراءات نقل ملكية أرض أبوها باسمي عشان أفتحلك الشركة اللي حلمتي بيها، وبعدها هرميها بالهدوم اللي عليها.” رانيا: “هههههه والله بتصعب عليا.. البنت دي نية أوي، لدرجة إنها بتصدق إنك بتسهر في الشغل وأنت بايت في حضني.” طارق: “تستاهل.. واحدة بالسطحية دي مكانها المطبخ وبس.. دي حتى لما بحرجها قدام الناس بتبتسم زي الهبلة.. يومين بالظبط وتوقع على الورق، وأوعدك هطلقها في نفس الليلة.”
سقط “التابلت” من يد ليلى على السجادة الوثيرة. لم تصرخ، لم تبكِ، ولم تنهار كما كانت تفعل دائماً عند كل إهانة صغيرة. شعرت بشيء ما ينكسر بداخلها، صوت تهشم زجاجي عنيف لقلب ظل يحب لسنوات رجلاً لم يره سوى “بغبغان” أو “عجينة”.
جلست على الأرض، ضمت ركبتيها إلى صدرها، ونظرت إلى الفراغ. كانت صورته وهو يضحك مع أصدقائه ويسخر من “مؤشرات البصل والطماطم” تتردد في ذهنها، لكنها الآن كانت ترى الحقيقة القبيحة خلف تلك الضحكات؛ لم يكن يمزح، كان يخطط لقتلها معنوياً ومادياً.
مرت الساعات وهي على حالها، حتى سمعت صوت مفتاح الباب. دخل طارق، كان يصفر بمرونة، وعلى وجهه ابتسامة “المنتصر”.
“ليلى! إنتي فين يا هانم؟ مش سامعة صوتك يعني؟” نادى طارق وهو يدخل غرفة المكتب.
وقفت ليلى ببطء، مسحت وجهها، ورسمت على شفتيها ابتسامة بدت لطارق عادية، لكنها كانت تحمل في طياتها سماً زعافاً.
“أنا هنا يا حبيبي.. كنت بجهزلك العشا.” قالتها بصوت هادئ، هادئ لدرجة مخيفة.
اقترب منها طارق، وطبع قبلة باردة على جبينها: “بقولك إيه يا لولو.. فيه شوية ورق كدة لزوم المشروع الجديد، محتاج توقيعك عليه بالليل.. إجراءات روتينية عشان الأرض اللي ورثتيها، هخلي المحامي يظبطها عشان أريحك من وجع الدماغ ده خالص.”
نظرت ليلى في عينيه مباشرة، لأول مرة منذ سنوات لم تخفض بصرها. رأت فيهما الغدر الممزوج بالاستعلاء.
“من عينيا يا طارق.. اللي إنت شايفه صح اعمله.. أنا ماليش غيرك يفهمني في الحاجات دي.” قالتها بنبرة “الزوجة المطيعة” التي يفضلها.
ابتسم طارق باتساع: “أهو ده اللي بحبه فيكي.. إنك عارفة حجمك ومسلمالي كل حاجة.. روحي هاتي العشا بقى عشان جعان.”
استدارت ليلى نحو المطبخ، لكن هذه المرة لم تكن ترتعش. كانت تفكر في شيء واحد فقط: كيف ستحول هذا “العشاء” إلى أول مسمار في نعش إمبراطوريته الورقية.
بينما كانت تقلب الطعام، كانت تهمس لنفسها بكلمات لم يسمعها غيرها: “مش أنا البغبغان يا طارق؟.. طيب.. استنى وشوف البغبغان ده لما يتكلم، هيقول عنك إيه للعالم كله.