وخنع القلب لعمياء الجزء الاول
صمتت بحزن ليبتسم يعقوب بسخرية ويقول بعذابٍ واصب:-
– مش عارفة تتكلمي تقولي أيه ولا تبرري بأيه…
ولا يهمك يا هانم محصلش أي حاجة، مجرد يعقوب بس هو كان ضحية طموحك إنتِ وحسين باشا .. طول عمرك وإنتِ النجاح والطموح بيجروا في دمك…
وحققتي كل أمنياتك ومكانش ناقصك حاجة، جوزك معاكِ وابنك…. وأنا…
صمت برهة ليواصل بحرقة واختلج قلبه بالألم:-
– أنا مكونتش في حساباتكم، ماله يعقوب يعني…
عايش في قصر طويل عريض مع واحدة عارفة كويس هتربي يعقوب إزاي وتطلعه وريث يستحق لقلب بدران..
عادي يعني أيه إللي حصل .. ولا حاجة..
ولا حاجة … أنا كنت ولا حاجة يا أم يامن…
انتصب يستدير وهو يكبح دموع تتلألئ خلف سجن جفونه، يطمر حشرجة مريرة بصدره، فيكفيه مستعمرات الحزن التي تتشعب بداخله..
هتف بصلابة:-
– لو سمحتي متفتحيش السيرة دي معايا تاني، أظن ملهاش لازمه بعد العمر ده كله…
وبعد إذنك هنام…
أخذ دمعها يفور من مقلتيها ويلطمها الندم وليتها لم تتركه والإكثار من “ليت” لا يكون إلا بعد فوات الأوان…
خرجت تجرّ ساقيها لكنها كانت تجرّ ما هو أثقل من ذلك …همّ .. حزن .. حسرة …وندم..
وفور خروجها تهادى يعقوب فوق الفراش بخوار وقد سقط قناع البرود عنه لتسقط دمعة حارة تحمل كُل معاني الألم لتتشربها لحيته سريعًا…
لكن لا ضير .. فالحزن .. الوجع .. الوحدة، كل هذا ألِفه حدّ الإدمان..
وكل هذا لم يعد بالأمر الهام … فقد أصبحت له رِفقة حطمت كل معاني الوِحدة بحياته…
يكفيه رِفقة .. وهذا جزاءه وجائزته بل هي خير جزاء على كل ما مرّ به…
ظلّ يفكر كيف ستكون إجابة رِفقة غدًا على طلب الزواج، ويُفكر ما ينتوي فعله حتى سقط بنومٍ عميق وداخله أمل كبير في الغد جاهلًا عمّا يواريه القدر له…
*********************
– يعقوب … يعقوب..
صوت شجيّ مُستغيث يتردد في الأرجاء في تلك الحديقة الخضراء، أخذ يركض بلهفة باحثًا هُنا وهُناك بقلبٍ مرتعش واجف حتى تراءت له تأتي تتهادى بمشيتها من بين الأشجار الخضراء في هالة من النقاء، نقاء لم يرى بمثله في حياته المظلمة المنسوجة بالتكبر والتعالِي والقواعد، ثوبها الأبيض يُرفرف من حولها يسير خلفها على العُشبة الخضراء النديه .. كان هذا وقت الشروق وأشعة الشمس التي أخذت تنمو على زاوية السماء تُطارد أخر خيوط الظلام..