الفصل التاسع عشر لولا الغرام بقلمي روز آمين
خرجت “بسمة” من المطبخ ووقفت عند أعتابه، ووجهت إليهم تحية دافئة تليق بصلتهم القديمة:
-حمد الله على سلامتكم يا شباب.
ثم تابعت بمزاحٍ:
-كفارة.
أجابها سامر مستنكراً مزاحها:
-كفارة ؟! ليه شايفانا خارجين من اللومان؟
ثم أشار بيده نحو المطبخ آمراً بمزاحٍ ومرح:
-ادخلي اغرفي المحشي قبل ما يبرد يلا، واعملي لك همة شوية، ده أنا جاي لكم من غير فطار.
تعالت ضحكات الجميع وتحرك الشباب معاً ليجلسوا برفقة رشيد، محاولين إذابة ذلك الجليد الذي غلف ملامحه منذ وصولهم.
انتهت سامية وبسمة من إعداد المائدة ورص أصناف الطعام الشهية فوق الطاولة، ليتكامل المشهد برائحة المحشي النفاذة وطاجن البامية “المسبكة”.
جلس الشباب يلتهمون الطعام بنهم، بينما انزوت الأم وابنتها وتناولتا غدائهما داخل المطبخ.
التهم سامر إصبع من المحشي دفعة واحدة، ومضغه بتلذذٍ قبل أن يتنهد قائلاً:
-امتى بقى فترة الجيش دي تخلص يا شباب؟ الواحد معدته نشفت من العدس والفول والرز المعجن.
رمقه رشيد بنظرة استنكار حادة، وقال بنبرة جادة:
-هو ده اللي فارق معاك يا سامر؟ الأكل؟!
زفر سامر بقلة صبر ورد بجدية:
-والله كل حاجة فارقة معايا يا رشيد، التعب والبعد عن البيت وكل حاجة.
التقط محمود قطعة من اللحم، وقال وهو يمضغها بهدوء:
-والله يا شباب انتوا مكبرين الموضوع، الجيش ده مصنع الرجال، وفخر لأي بني آدم وطني انه ينضم ليه.
أيده عمر برأسه وهو يبتلع طعامه وقال:
-عندك حق يا محمود، ده كفاية القوة وشكل الجسم اللي الواحد اكتسبهم من التدريبات اللياقة هناك.
علق رشيد بجدية صارمة، والصراع الداخلي يبرز في نبرته:
-ما اختلفناش يا جماعة، بس كمان ماتنكروش إنها فترة موقفة حياتنا.
وتابع باعتراض بدا واضحاً في عينيه:
-كان زمانا في السنة دي اشتغلنا وأخدنا خبرة نقدر من خلالها نتقيم، ونسافر لأي دولة خليجية نأمن فيها مستقبلنا.
كان عمر يشعر بوجع رشيد الدفين، ويفهم مرارة الماضي التي تجرعها صديقه، تلك المرارة التي جعلته اليوم مندفعاً يريد سباق الأيام والقفز نحو الغد ليصنع مستقبلاً أفضل، ويثبت لنفسه وللعالم أنه شخصًا ناجح وذو قيمة.
لذا ربت على يده بحنو، ونظر في عينيه بإشارة ذات مغزى وقال بيقين: