الفصل التاسع عشر لولا الغرام بقلمي روز آمين
دار في عقله تساؤل مرير: من ذلك الواقف أمامي، لقد بدا له الشخص القابع في المرآة غريباً تماماً عنه، عيونٍ حادة جرداء كأرض صحراوية قاحلة لا أول لها ولا آخر، وملامح وجه صلبة جامدة، وشفتان خاصمهما الضحك وباتت الابتسامة غائبة عنهما منذ زمن.
لم يكن هذا مجرد وهم، فكل من حوله لاحظ هذا التحول الجذري، وكأن روحه القديمة قد ماتت لتُخلق مكانها شخصية أخرى، شخصية جادة وصارمة، تعمل بكل ما أوتيت من قوة وجهد لتطوي صفحات الماضي، وتبني مستقبلاً جديداً تتلاشى فيه كل السلبيات والخيبات السابقة.
أطلق تنهيدة ثقيلة زفر بها بعضاً من ضيق صدره، ثم أشاح بوجهه عن المرآة وخرج متجهاً إلى المطبخ، نظر إلى والدته وقال بنبرة هادئة:
-صباح الخير يا ماما.
التفتت إليه وعيناها تفيضان بالشوق والحب، وردت بصوتٍ تقفز من بين نبراته الحنان:
-صباح الخير يا حبيبي.
ثم تابعت وهي تغرف بعض المخلل من وعاء زجاجي كبير:
-الأكل كله جاهز، مافاضلش غير إن أصحابك ييجوا، وأغرف لكم على طول.
هز رأسه بهدوء، تعالى رنين جرس الباب الخارجي، لتهتف السيدة بحماسٍ:
-دول أكيد أصحابك، روح افتح لهم يلا وأنا هبدأ أغرف الأكل.
أومأ لها برأسه وانسحب بهدوء ليتجه نحو الباب، ما إن فتحه حتى وجد أمامه “سامر” و”محمود” و”عمر”، رفاق دربه الذين رافقوه منذ أيام الثانوية وما زالوا على عهدهم متمسكين بصداقتهم.
اندفع سامر إلى الداخل وهو يستنشق الهواء بقوة، ماداً أنفه للأمام وصاح بافتخار موجهاً لأصدقائه:
-مش قلت لكم دي ريحة المحشي بتاع طنط سامية.
واسترسل مؤكدًا:
-أنا لا يمكن أتوه عنها أبداً.
رد عليه محمود باستنكار مفتعل وهو يدعمه للدخول:
-خلاص يا عم سامر ادخل بقى، كفاية فضايح.
تنحى رشيد جانباً، مشيرًا لهم بيده ببرود طفيف ليدخلوا الصالة، في حين تابع محمود الشكوى منه لرشيد قائلاً بغيظ:
-فضحنا من أول ما دخلنا الشارع الله يكسفه، داير يشمشم ولا الكلب البوليسي ويقول طنط سامية عاملة لنا محشي.
ظهرت ابتسامة باهتة وخفيفة فوق ثغر رشيد، وحاول مجاراتهم فقال بصوت هادئ:
-هي فعلاً عاملة لكم محشي.
قفز سامر في مكانه بفرحة انتصار عارمة، وصاح بهما بسخرية:
-عشان تبقوا تصدقوني لما أقول لكم على حاجة يا غجر، ده أنا شميته من أول ما نزلنا من الميكروباص على ناصية الحارة.