الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين
كانت عيناه تدوران بجنون وسط الحشد، تبحثان عن شقيقته بين سيل الشباب المتكدسين في الممر، كانت تقف هناك، مرتعبة، تحبس دموعها القريبة خلف مقلتيها، بينما جسدها بأكمله يتنفض من فرط الخوف.
لم تكن تتخيل أبداً أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد، فقد ظنت أن المسألة مجرد مظاهرة عفوية تعبر فيها عن رأيها ورفضها للممارسات الصهيونية الحقيرة، لتنتهي بشكل سلمي متحضر وتعود بعدها إلى بيتها قبل أن يشعر بغيابها أحد، وخاصة والدها الصارم.
قادته خطواته نحوها، أسرع صوبها ودون مقدمات جذبها إلى صدره، محتضناً إياها بقوة كي يمتص خوفها وينقل إليها الأمان، مخبراً إياها بوجوده.
أما هي، فارتمت في حضنه باستسلام طفولي، وكأنها تعلن له أنها ألقت بحملها وهمها كله فوق عاتقه ليحله، أبعدها عن حضنه بسرعة، وحاوط وجهها بكفيه يتلمس ملامحها، وقال بنبرة لاهثة:
-انت كويسة؟
هزت رأسها بقوة زائفة، وارتدت قناع الشجاعة وهي تجيب:
-انا كويسة ما تخافش عليا.
في تلك الأثناء، كان الضابط “هشام موافي” عائداً إلى مكتبه، فاستوقفه المشهد ووقف يراقبه بفضول، خاصة حين تبدلت ملامح رشيد فجأة من منتهى الحنية والخوف إلى ذروة الحدة والغضب، وهو يرمقها بنظرات لائمة صائحاً:
-طبعاً مش خايف يا هانم، وهخاف ليه اصلا؟! هو كان حصل حاجة تدعو للخوف؟! ده يادوب الاستاذة ماشية في مظاهرة بدون ترخيص، وتعدت بالكلام على رجال الشرطة، ومقبوض عليها ومرمية في القسم زي المجرمين وقطاعين الطرق.
ثم رفع يديه ملوحاً بهما بطريقة مسرحية ساخرة، وتابع بتهكم:
-بصراحة، حاجة تدعو للفخر.
تدخل قائد الحركة الطلابية متحدثاً بقوة وعزم وثبات:
-برغم ان حضرتك بتتريق، بس انك تخرج عن صمتك وتقرر تقف في صف الحق، فهي فعلاً حاجة تدعو للفخر.
التفت إليه رشيد، وقال بنبرة جادة وحاسمة:
-محدش يقدر يقول غير كدا، بس علشان تساند الحق، انت كمان لازم تنظم نفسك وتمشي مظبوط.
قاطع نقاشهم الضابط هشام الذي قرر التدخل لفرض هيبته، ونظر إلى رشيد بجدية صارمة سائلاً:
-انت مين يا استاذ وبتعمل ايه هنا؟!
انتبه لوجوده، وتحدث باحترام رسمي:
-أنا أخو الطالبة بسمة عبدالرحمن المسيري يا فندم، وجاي علشان اضمنها.