الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين
-هجيب الطيارة وانزل على طول يا ماما.
هتفت الجدة بنبرة يملؤها الخوف والرجاء معاً:
-يا واد طيارة ايه اللي هتودي نفسك في شربة ماية علشانها؟! انزل وانا هبعت اجيب لك واحدة غيرها.
لم يكن يستمع لأحداً، أو بالأحرى، صم أذنيه عن كل الأصوات إلا صدى حزن صغيرته.
وصل إلى قمة السلم، ومد يديه بحذر شديد يبدد الخيوط المتشابكة والمعلقة بين الأسلاك، في تلك الأثناء، عادت دليلة وهي تمسك بقطع الآيس كريم تتناولها بعفوية، لتتسع عيناها بصدمة مروعة حين رأت ذاك المتهور يقف على ذلك السلم بارتفاع مرعب. تملكها الرعب، خاصة حين تعالت صرخات فاطمة النادبة:
-يا ابني انزل حرام عليك، انت ليه دايمًا غاوي توجع قلبي معاك؟!
حاول الحفاظ على ثباته وهو يعالج الخيوط العالقة، وأجابها محاولاً تهدئتها:
-ما خلاص بقى يا فيفي بطلي ندب، قولت لك هفوك الطيارة وانزل بسرعة.
صرخت عايدة برعب وهي تضرب كفاً بكف:
-قطيعة تقطع الطيارة على سنينها، انت عبيط يا ابني؟! يا ولا انزل لتتكهرب.
شاركتها أماني التضرع والدعاء وهي تهتف:
-يا حبيبي اسمع الكلام وانزل الله يهديك.
أما “منى”، فكانت تقف وعيناها مذهولتان لا تستوعبان هذا الجنون، كيف لشاب في مقتبل العمر أن يلقي بنفسه في جوف الخطر، ويعرض حياته للموت من أجل قطعة ورق ملونة؟! هتفت برعب تناديه:
-اسمع كلام مامتك وانزل يا اشرف، انت كده بترمي نفسك في التهلكة يا ابني.
تسلل شعور حارق بالذنب إلى قلب الصغيرة، أدركت أنها هي السبب في كل هذا الصخب والذعر، وبدأت دقات قلبها تقرع كالطبول خوفاً عليه.
سألت نفسها برعب:
-ماذا لو أصابه مكروهًا، كيف ستعيش حياتها وهي تحمل ذنب موته؟كانت الأنفاس محبوسة، والعيون شاخصة ومذهولة، والجميع يقف في الشارع بقلوب ترتعش من فرط الخوف والترقب.
أخيراً، نجح في فك خيوطها المتشابكة بحذر شديد، في دقائق مرت على الجميع كأنها سنوات من القلق والترقب، هبط درجات السلم بثبات وهو يقبض على الطائرة بيديه، بينما لم تفارق عيناه تلك الصغيرة الواقفة هناك، والذهول ما زال يبسط سيطرته الكاملة عليها.
استقبلته والدته بوابل من التوبيخ والصراخ اللائم، لكنه تجنب الرد متحملاً ثورتها ببرود، فركن الطائرة جانباً، وحمل السلم ليعيده إلى مكانه بالداخل.