الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين

 

 

ومع تلاشي الخطر، عادت العائلة تدريجياً لداخل المنزل، بينما خرج أشرف مجدداً إلى الشارع ليتفقد طائرته، فوجد دليلة لا تزال متسمرة في بقعتها، تعجز عن تصديق أنه جازف بحياته من أجلها.

 

 

ابتسم لها بهدوء بدد خوفها، ثم توجه نحو الطائرة، حملها وجلس على تلك “المصطبة الخرسانية” الممتدة أمام الباب، في ثوانٍ معدودة، التفّ حوله أطفال العائلة يراقبون أصابعه وهي تبدأ في إصلاح التلف الذي لحق بها، بينما تحركت دليلة بخطوات وئيدة، واقتربت منه على استحياء.

 

لمح اقترابها، فرفع بصره ونظر إليها، ثم أشار بيده إلى المساحة الفارغة بجواره على المصطبة قائلاً:

-اقعدي.

 

امتثلت لإشارته وجلست بالفعل، وقبل أن تسبقها شجاعتها، سألته بنبرة خافتة:

-هو انت جبتها علشاني؟

 

أدار وجهه نحوها، وتلاقت عيناه بعينيها، فرفرف قلبه بين أضلعه حين رأى تلك اللمعة البراقة الساحرة التي تمنى رؤيتها تضيء مقلتيها، اكتفى بهز رأسه إيجاباً دون أن ينطق بحرف، فغمرتها سعادة طفولية عارمة.

 

 

أنهى إصلاح الطائرة، فتعالت تهليلات الأطفال وصيحاتهم، وكل منهم يرجوه أن يعطيه إياها، لكنه تجاهل صخبهم جميعاً، ومد ذراعه بالطائرة نحوها هي، قائلاً بنبرة حانية:

-يلا طيريها.

 

كانت ضربات قلبها تقفز من فرط الفرح والبهجة، فخطفتها من يده بسرعة وبدأت في محاولة تحليقها، اقترب منها خطوة، ووجهها قائلاً:

-ارفعي ايدك لفوق علشان الهوا يطيرها.

 

 

هزت رأسها بطفولية، ثم التفتت إليه برجاء:

-طب امسك الخيط معايا علشان ايدي قصيرة.

 

 

ابتسم وتقدم خلفها، فقبض بيده الكبيرة على الخيط يشارك يدها الصغيرة توجيه الطائرة في السماء، تلاعب الهواء بها حتى كاد يقربها من العمود مجدداً، فسحب الخيط بحركة سريعة ومحترفة وهو يمازحها:

-لا بقولك ايه، المرة دي لو لفت على العمود مش هعرف اجيبها لك تاني، لان فيفي لو شافتني بقرب من السلم، هتجيبه هي.

 

وتابع مازحًا:

-بس علشان تعلقني مكان الطيارة.

 

انطلقت ضحكاتها فجأة بطريقة هيستيرية رنت في أرجاء المكان، تسمر في مكانه فجأة، وشخص ببصره نحوها، مركزاً في رنين ضحكتها وعينيها اللتين تقفز منهما السعادة قفزاً.

 

في تلك اللحظة، داهمه شعور غريب وعميق اجتاح كيانه بالكامل، شعر أن تلك الصغيرة تخصه وحده، وأن نظرتها وسعادتها وفرحتها هي مسؤوليته الشخصية منذ الآن وحتى نهاية العمر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *