الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين
توالت مكالماتهما اليومية على مدار عشرة أيام، كشِباكٍ من حرير، طوق بها قلبها حتى تعلقت به تمامًا دون أن تدرك، وغدت دقات الساعة وهي تعلن التاسعة مساءً اللحن الأجمل لمسامعها،والطقس المقدس الذي لا تكتمل سعادة يومها إلا به.
لكن في اليوم الحادي عشر، دقت الساعة التاسعة، ولم ينير هاتفها بحروف اسمه،انتابتها حيرة ممزوجة بغصة غريبة، وظلت تطالع شاشة هاتفها المظلمة، منتظرة لقرابة ساعة كاملة، والوقت يمر كأنه دهر.
وعندما استبد بها القلق ولم يأتِ صوته، هربت من جدران غرفتها الضيقة ونزلت لتجلس مع والدتها في حديقة المنزل، مستسلمة لنسيم الليل، لكن عقلها كان شاردًا بعيداً، يبحث عن تفسير لغيابه المفاجئ.
تكرر المشهد الصامت في اليوم التالي، جاءت التاسعة، فصعدت غرفتها بلهفة تخفيها عن الجميع، لكن الهاتف ظل على صمته العنيد.
تملكها ضيقٍ عارم من ذلك الـ أشرف، وراحت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً بقلق متزايد، لمعت في رأسها فكرة أن تبادر هي بالاتصال لتطمئن عليه، لكن كبريائها وخجلها الأنثوي منعاها، وتحت هذا الحصار، لم تجد ملاذاً سوى صديقتها “ندى”، فطلبت رقمها على الفور وقصت عليها ما حدث بنبرة متوترة.
أجابتها ندى مستغربة:
-طب وأنتِ زعلانة ليه؟ أنتِ أصلاً مجبرة على مكالماته.
شعرت بارتباك شديد، ووجنتيها اشتعلتا حمرة، فهتفت بسرعة محاولة مداراة ملامحها حتى عن نفسها:
-هو أنا بقول لك إن أنا زعلانة؟! أنا بس مستغربة،وخايفة ليكون جرى له حاجة ولا تعبان.
انطلقت ضحكات ندى عبر الهاتف، وقالت بنبرة ذات مغزى ومشاكسة:
-شكلك بدأتي تتعلقي بيه يا قطتي.
انتفضت وكأنها تنفي عن نفسها تهمة عظمى، وراحت تقول بنبرة متلاحقة مليئة بالإنكار:
-أتعلق إيه بس يا بنتي! أنا زي ما قلت لك بالضبط، خايفة ليكون تعبان، في الآخر هو ابن عمتي برضوا.
كررت ندى ضحكتها، وقالت متهكمة:
-هحاول أصدقك.
شعرت دليلة أن حصونها تكاد تتهاوى أمام ذكاء صديقتها، فسارعت إلى تغيير مجرى الحديث كلياً، قافزة إلى موضوع آخر لتلوذ بالفرار من تلميحات ندى التي أيقظت في صدرها مشاعر لم تكن مستعدة لمواجهتها بعد.
________♕________
جاء اليوم الثالث، وكانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة والنصف مساءً، جلست إلى الطاولة تتناول العشاء مع والديها وشقيقها، جسدها وحده هو من كان حاضراً، بينما تاهت عيناها وهي ترمق الساعة المعلقة على الحائط بين الثانية والأخرى بلهفة قلقة.