الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين
تحول صوته فجأة إلى نبرة يغلفها الانتقاد والتعجب من نفسه، وتابع قائلاً:
-كنت بستغرب نفسي اوي، ايه اللي يخليني أقعد طول الليل أفكر في عيلة صغيرة وتصرفاتها بالشكل ده؟ ازاي من مجرد ابتسامة صغيرة منك ليا على حاجة بسيطة عملتها لك، قلبي يطير ويرفرف؟!
كانت تستمع إليه وجسدها متسمر، بينما عقلها عاجز عن استيعاب حجم هذا العشق المتجذر في قلبه منذ سنوات، لم يعطها فرصة للاستفاقة، بل تابع بابتسامة وصوت مليئ بالحماس:
-فاكرة الطيارة؟!
ضيقت ما بين عينيها بجهلٍ، وسألته بنبرة حائرة:
-طيارة؟ طيارة ايه؟
ارتفع مؤشر الحماس في صوته ونبرات وجهه وهو يجيبها متلهفاً:
-الطيارة الورق اللي كانت متعلقة في عمود الكهربا
بات يفسر لها أكثر:
-السلك العمومي اللي قدام بيت جدتك رقية.
فجأة، ومضت عيناها بلمعة براقة، ورقص قلبها بين أضلعها فرحاً حين انقشعت الغمامة عن ذاكرتها، وتجسدت تفاصيل ذلك اليوم الجميلة أمام عينيها كأنه حدث بالأمس.
هتفت بصوت يفيض بالبهجة:
-ايوا افتكرت، دي كانت طيارة حلوة أوي، وانت يومها جبتها لي يا أشرف.
رفرف قلبه بين ضلوعه واهتزت مشاعره حين سمع اسمه ينساب بين شفتيها بتلك العفوية والفرحة، وفي تلك اللحظة، وبلا مقدمات، جرفهما تيار الذكريات معاً، ليعودا بالزمن إلى ما قبل ثماني سنوات.
كان الوقت صيفاً، والشمس تلملم خيوطها الذهبية لتعلن عن وقت الغروب، كانت العائلة بأكملها تحتشد في بيت الجدة “رقية”، ابتهاجاً بحضور “صادق” وعائلته الذين أتوا من المملكة العربية السعودية لقضاء إجازتهم السنوية في البلدة.
خرج صادق برفقة رجال العائلة متوجهين صوب “الأرض الزراعية”، وقبل أن يغادر، قطعت دليلة طريقه لتأخذ منه بعض النقود بغرض شراء الأيس كريم “الجيلاتي” من المتجر المجاور للمنزل.
ما إن خطت قدمها خارج البوابة الحديدية، حتى تسمرت مكانها، إذ جذب انتباهها مشهد طائرة ورقية ذات ألوان زاهية ورائعة، تشابكت أطرافها بين أسلاك عمود الكهرباء العمومي المنتصب أمام البيت، وقفت الطفلة تتطلعُ ببصرها إلى الأعلى، مبهورة بتلك الألوان.
في هذه الأثناء، كان “أشرف” الذي كان يبلغ من العمر آنذاك عشرين عاماً، قادماً من منزلهم، لمح وقوفها وتشتت ذهنها، فتقدم نحوها وسألها بفضول: