الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين
-واقفة كده ليه يا دليلة؟
أجابته وعيناها لا تزالان معلقتين بالطائرة، وكأنها واقعة تحت تأثير تعويذة سحرية:
-بتفرج على الطيارة.
ثم التفتت إليه، ونظرت في عينيه بذات النظرات الهائمة والشغوفة التي كانت ترمق بها الطائرة، وسألته برجاء طفولي:
-هو انت متعرفش تجيبها لي؟
ابتسم ل براءتها، وقال لها محاولاً عقلنة الأمر بهدوء:
-بس دي متعلقة في السلك العمومي، وكمان عالية أوي.
زفرت بضيق، وتهدلت كتفاها بإحباط شديد وهي تقول:
-يا خسارة.
تآلم قلبه لرؤية تلك الخيبة الفجائية في عينيها، فسارع بوعدها قائلاً:
-هبقى اشتري لك واحدة بكرة.
هزت رأسها بأسى وتمردًا:
-بس انا كنت عاوزة دي.
أنزلت ذراعيها باستسلام، واستدارت متوجهة نحو المتجر لتشتري “الجيلاتي” بقلبٍ محطم
وقف يراقب أثر خطوتها المبتعدة، ولدت في داخله قوة خفية وإصرار عنيد لم يفهمه، لم يستيقظ من سكرته إلا وهو يقتحم حديقة جدته بخطوات واسعة، متوجهاً صوب السلم الخشبي الموضوع على الحائط.
رفعه بقوة متناسياً خطورة الأمر، وخرج به إلى الشارع تحت نظرات الذهول من الجميع، جاءه صوت والدته “فاطمة” مستنكراً ومستفسراً بدهشة:
-واخد السلم ورايح بيه على فين يا أشرف؟!
تابع خطواته بثبات نحو البوابة الخارجية، وأجاب والدته بهدوء تام دون أن يلتفت خلفه:
-هعمل بيه حاجة يا ماما.
أسند السلم على عمود الكهرباء، وبدأ يتسلقه دون أدنى تفكير في الخطر الذي يحدق به، أو الصعق الكهربائي الذي قد ينهي حياته في ثوانٍ.
كل ما كان يشغل عقله وقلبه في تلك اللحظة هو انتزاع غيمة الحزن التي رآها في عينيها الصغيرتين، ليعيد رسم تلك البسمة التي تضيء وجهها، وتُظهر اللمعة الساحرة التي تسكن عينيها كلما ضحكت من قلبها.
انتفضت “فاطمة” من فوق الدكة الخشبية بذعر، وصاحت بهلع وقد تملكتها الصدمة:
-بتعمل ايه يا ولا؟!
هرولت نحو الخارج بقلب يرتجف، ولحقت بها “عايدة” و”أماني”، بينما تبعتهن الجدة “رقية” بخطوات ثقيلة حتى وصلت إلى عتبة الباب الخارجي.
صرخت فاطمة وهي تترجاه بهلعٍ يملأ عينيها:
-انزل يا ابني لتتكهرب حرام عليك.
أجابها ونظراته مثبتة بالكامل على هدفه، بينما يداه تواصلان تسلق درجات السلم: