الفصل الثالث والعشرون لولا الغرام روز أمين
لم تفت تلك النظرات المشتتة والدتها التي تنفست الصعداء في تنهيدة صامتة، لقد أدركت بغريزتها أن ابنتها قد وقعت في شباك العشق بالفعل، وأن قلبها بات معلقاً بذلك الصياد الماهر.
أنهت طعامها بسرعة وتوتر ملحوظين، ثم نهضت قائلة بنبرة مهتزة:
-أنا طالعة أوضتي يا ماما، عاوزه حاجه؟
أطرقت منى بصرها نحو صحن طعامها، وانعكس قلقها على وجهها الذي توشح بحزن باهت، من شدة الخوف على صغيرتها، وقالت بنبرة ساكنة:
-اطلعي يا دليلة.
على الجانب الآخر، كانت نظرات “صادق” تتابع ابنته الراحلة بملامح هادئة، وكأنه يرى الأمور تسير في نصابها الصحيح.
دلفت دليلة إلى غرفتها، والتوتر يأكل ثباتها، نظرت إلى هاتفها للحظات، ثم ألقته فوق الفراش وعادت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً في حلقات مفرغة، وكل بضع دقائق تطالع ساعة معصمها بقلب يخفق بعنف.
وما إن أعلنت العقارب تمام التاسعة، حتى التفتت نحو الهاتف الملقى على الفراش، وعيناها تلمعان بأمل يترقب تلك النغمة المألوفة، مرت دقيقة، ثم دقيقتان، وأصبحت الساعة التاسعة ودقيقتين دون جدوى.
أصيبت بإحباط شديد، واجتاحتها موجة من الضيق والخذلان، وكادت أن تستسلم لليأس، لولا أن انشق صمت الغرفة فجأة برنين الهاتف ، لتضيء الشاشة باسمه، طارت فرحاً، وجرت نحو الفراش تلتقط الهاتف بلهفة عارمة لم تستطع تزييفها، ضغطت زر الرد قائلة بملء صوتها المشتاق:
-ألو.
جاءها صوته من الطرف الآخر مسترخياً ومفعماً بهدوءٍ مريب:
-إزيك يا دليلة؟
أثار هذا البرود المصطنع حنقها، وامتزج شوقها بحدة وغضب طفولي كأنها تعاتبه على قسوة غيابه، فسألته بنبرة لاذعة:
-أنت ما رنتش ليك يومين ليه؟!
رغم أن قلبه كاد يرقص طرباً من فرط السعادة بلمس ذلك الاهتمام وتلك اللهفة الواضحة في صوتها، إلا أنه حافظ على نبرته الهادئة والمقصودة لإتمام خطته، وأجابها متصنعاً الأسف:
-معلش، اليومين اللي فاتوا كان عندي شغل كتير جداً وكنت برجع البيت متأخر.
ثم أردف بحجة ذكية:
-وكنت بخاف أرن عليكِ لتكوني نايمة.
سارعت بالنفي لتنزع عنه ذلك العذر، وقالت دون تفكير:
-أنا مش بنام بدري على فكرة.
اتسعت ابتسامته، وغمره شعور بأن الأرض لا تسعه من فرط البهجة والانتصار، وبكل جرأة، ووثوق عاشق يدرك مدى جاذبيته، باغتَها بسؤال مباشر: