الفصل الحادي والعشرون لولا الغرام، بقلمي روز أمين
ثم رفع سبابته ووجهها نحو جبهة سامر مكملاً بحزم:
-خلي الجملة دي دايماً قدام عنيك، وحط أخواتك البنات دايماً مكان أي بنت قدامك.
لوح سامر بيده معتذرًا أمام شهامة صديقه:
-خلاص يا سيدي، مكنتش كلمة قولناها.
ثم التفت بطرف عينه نحو الفتاتين اللتين استمرتا في مراقبة رشيد بكل جرأة دون أدنى خجل أو خوف من الله، فتمتم سامر بأسفٍ مصطنع:
-طب والله خسارة.
ابتسم رشيد بهدوء، ثم أطفأ سيجارته في المنفضة وبدأ يجمع أشيائه قائلاً:
-يلا خلينا نمشي، ماما مستنياني علشان أوديها لخالتي.
نظر إليه سامر بشك وتساءل:
-هي إيه حكاية أمك يا رشيد؟ كل إجازة تخليك توديها لخالتك، لا وتروح تجيبها كمان.
أجابه ببرود تام وهو ينهض:
-عوزاني أتجوز نسرين بنت خالتي، من ساعة ما اشتغلت وهي كل شوية تفاتحني في الخطوبة، أقول لها يا ستي مش لما نجوز كريم الأول؟ تقول لي ما هو خاطب، وأنت اخطبها بس واحجزها قبل غيرك.
ثم تنهد بسخرية لاذعة وأردف:
-أوضة سفرة هي، هحجزها قبل ما تعجب حد غيري ويشتريها.
سأله باهتمام وجدية هذه المرة:
-طب وإيه المانع؟ ما تتجوزها، دي زي القمر، وفي صيدلة، يعني مناسبة جداً ليك.
تغيرت ملامحه تمامًا في تلك اللحظة، وانطفأ البريق في عينيه ليحل محله حزن دفين غلف نبرته وهو يجيب بصوت خفيض:
-أنا مبفكرش في الجواز يا سامر، الخطوة دي أنا شيلتها من حساباتي نهائي، أو على الأقل الفترة دي.
ساد صمت مرير، نقل فيه رشيد بصره إلى مياه النيل الراكدة، وكأنه يستمد منها القوة، ثم تابع حديثه بجدية وصرامة لا تقبل النقاش:
-أنا مبقتش شايف غير مستقبلي اللي لازم أفحر في الصخر علشان أبنيه على أساسات متينة، والسفر للخليخ اللي بقى حلمي.
تنهد صديقه بعمق، وعيناه تراقبان صديق عمره بأسى جارف، إذ أدرك أن جروح الماضي ما زالت غائرة في أعماق روحه، ولم تندمل بعد رغم مرور كل هذا الوقت.
أراد رشيد أن يتلاشى هذا الثقل الذي خيّم على المكان، فالتفت من حوله، ثم أشار للعامل وطلب منه الفاتورة.
لم تمر دقائق حتى أقبل العامل يحمل الشيك، فأخرج رشيد ماله ودفع الحساب، ثم نهض مستعدًا للمغادرة.
وبينما كانا يهمان بالخروج، مر سامر بجوار طاولة الفتاتين، والتفت نحوهما متمتمًا بصوت مسموع غلفه الإعجاب والمداعبة: