على هامش حلمه الجزء الثالث حكايات سوما
الفصل الثالث و الاخير:
القرار
مرّت ستة أشهر كاملة على ولادة داليا. البيت فوق كان دايماً مليان حركة وصوت عياط، والأنوار مبتقفلش. حسام كان عايش في عالم تاني خالص، عالم الأبوة اللي انحرم منه سنين. شايل “ياسين” طول الوقت، يخرج بيه، يشتري له، ويبص له بعيون مليانة فرحة وشغف.
وداليا بقت هي النجم الساطع في البيت، أم الولد، الست اللي حققت لحسام حلم عمره، وبقت طلباتها مجابة فوراً ومن غير مناقشة. تحت، في شقة سلمى.. كانت الدنيا مختلفة تماماً. الهدوء كان هو سيد المكان. شقة منتعشة، نظيفة، ورايقة.
سلمى بقت تصحى كل يوم تسعة الصبح، تلبس أشيك هدوم عندها، وتحط ميك أب خفيف، وتنزل تروح شغلها في مكتب المحاسبة. بقت معروفة بالدقة والالتزام، وصاحب المكتب كلفها بإدارة حسابات عملاء كبار، ورفع مرتبها مرتين في ست أشهر. في البنك، حساب سلمى كان بيكبر كل شهر.
بقى عندها مبلغ محترم يضمن لها سكن مستقل وحياة كريمة لسنين قدام لو قررت تبدأ من جديد. بس الأهم من الفلوس.. كان التحول النفسي اللي حصل جواها. سلمى مبقتش حزينة. مبقتش بتقعد بالليل تبكي وهي مستنية حسام ينزل لها.
مبقتش بتتضايق لما تسمع صوته فوق مع داليا وبيضحكوا. الحب القديم اللي كان مخليها تحس إن حياتها ملهاش قيمة من غير حسام، تحول بالتدريج لاحترام متبادل وذكريات قديمة مش أكتر. في ليلة من الليالي، داليا كانت عزمت أهلها فوق في احتفال صغير لياسين بعد ما كبر شوية.
حسام نزل لشقة سلمى وهو شايل شوية أطباق وحاجات، وكان شكله مجهد وتعبان من كثرة المصاريف والطلبات. دخل الصالة، لقي سلمى قاعد على المكتب بتاعها، قدامها أوراق المحاسبة واللابتوب، وبتحسب بتركيز وهدوء. حسام قعد على الكنبة، وفرك وشها بإيده وقال:
«أففف.. التعب النهاردة يهد الجبال. داليا وأهلها عاملين هيصة فوق، ويا ستي العزومة مكلفة مبلغ وقدره.»
سلمى رفعت رأسها بابتسامة هادية، وحطت القلم من إيدها:
«ألف مبروك يا حسام، ربنا يخلي لك ياسين ويتربى في عزك. معلش، هي المصاريف بتكون كثيرة في الأول كده.»
حسام بص لسلمى، ولأول مرة من شهور طويلة، يرّكز في ملامحها. لقاها جميلة، رايقة، وشها منور، مش باين عليه أي إرهاق ولا قهر. هدومها متنسقة، وروحها فيها ثبات وغرور محبب مكانش موجود زمان لما كانت معتمدة عليه في كل حاجة.