الفصل السادس عشر من لولا الغرام بقلم روز أمين
أمام صمته المريب، توقفت عن النحيب قليلاً، وسألته باستغرابٍ شديد:
-إنت ساكت ليه يا رشيد؟
تنهد بوجعٍ استقر في أعماق صدره، وخرج صوته خافتاً، متحشرجاً، وخالياً من أي مظاهر الحياة، وكأنه فارقها:
-عاوزاني أقول لك إيه يا نهلة؟
هاجمها الوجع حتى شعرت أن روحها تخرج منها، فهتفت بنبرة تستجديه:
-قول أي حاجة، طمني، قولي إنك مش هتلف هتسبني، مش هتتخلى عني.
انفجرت في بكاءٍ مرير، وهي تكمل بصوتٍ يصرخ مستغيثاً به من فوق حافة الهاوية:
-قولي أنا عمري ما هسيب إيدك يا نهلة، ومش هيفرقنا عن بعض غير الموت.
بلع ريقه بصعوبة، وشعر بغصةٍ مريرة كالعلقم تقف في حلقه وتمنعه من التنفس، خرج صوته ينزف قلة حيلةٍ وانكساراً وهو يسألها:
-وبعد ما أقول لك كل الكلام ده، تفتكري في حاجة في واقعنا هتتغير؟
وقعت كلماته عليها كالصاعقة، صدمةٌ ألجمت لسانها وجمدت الدماء في عروقها.
كان هناك هاجسٌ قوي في داخلها يهمس لها طوال الوقت بأن النهاية القاسية قادمة لا محالة، لكنها كانت ترفض التصديق، اختارت طواعيةً أن تعيش في الوهم، فقط لتطيل عمر قصة حبهما لأطول وقتٍ ممكن، ولتتشبث بمشاعر دافئة وصادقة لم تجدها يوماً إلا بين يديه.
ابتلعت غصتها، وامتزج صوتها باليأس والدموع وهي تحاول التشبث بآخر خيطٍ يربطها به:
-هنحاول يا رشيد، لازم نحاول.
توقفت وفجأة اقتحمت رأسها فكرة بلمح البصر، فانبثقت اللهفة في نبرتها كغريقٍ لمح قشة في عرض البحر، فاندفع نحوها بكل ما أوتي من قوةٍ ليتعلق بها:
-أنا عندي فكرة حلوة أوي.
بالرغم من الحماس الطاغي الذي ملأ نبراتها فجأة، إلا أن جبل الإحباط والانكسار الراقد فوق صدر رشيد لم يتزحزح قيد أنملة، لم يحرك ساكناً، ولم يكلف نفسه حتى عناء سؤالها عن تلك الفكرة.
التمسك بالأمل بات بالنسبة له ترفاً لا يملكه، لكنها لم تنتظر صمته، بل تابعت بحماسٍ أشد وأملٍ أكبر:
-تعالى بكرة أنا وإنت نروح لبابا الشركة، وأنا متأكدة إن بابا لو اتعرف عليك وشاف مدى نضجك وتفكيرك ووعيك، هيوافق عليك.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ضحكةً تقطر مرارة وتهكماً، وهو يقول:
-وإنتِ بقى مقتنعة بجد بالكلام اللي بتقوليه ده؟
ثم تحولت نبرته إلى جدية قاسية، وأردف: