الفصل السادس عشر من لولا الغرام بقلم روز أمين

 

وعلى جانب آخر، كان الصباح حزينًا باهتًا لدى أشرف، الذي لم يعد يفصله عن السفر والغربة سوى يومين اثنين لا غير، استيقظ من نومه والهم يثقل صدره، ليجد أن جدته وخالاته وخاله وجميع أفراد عائلته قد استيقظوا قبله، وجلسوا في انتظاره ليتناولوا فطورهم الأخير معًا قبل أن يتحركوا عائدين إلى المنصورة.

 

بالفعل، تناولوا طعامهم في أجواء يغلفها التوتر، ثم ارتدا الجميع ملابسهم وتجهزوا للرحيل، طوال هذا الوقت، لم يرفع أشرف عينيه عن تلك الصغيرة التي تربعت على عرش قلبه وامتلكت وجدانه، دليلة.

 

لاحظت منى تلك النظرات المتعلقة بصغيرتها، فاشتعل داخلها بنار الضيق والغيرة على ابنتها، لكنها آثرت الصمت وتجرعت غصتها دون أن تنبس ببنت شفة.

 

آن أوان الرحيل وبدأت مراسم الوداع، فودع أشرف خاله ومنى وأحمد، ثم اتجه نحو دليلة حيث كانت تقف وحيدة في الحديقة الخارجية تروي الزهور، دنا منها بخطواتٍ مثقلة، ووقف قبالتها وعيناه تفيضان بوجع الفراق ولوعة الشوق المستعر وقال بنبرةٍ تصرخ ألمًا:

-أنا مسافر يا دليلة.

 

نظرت إليه بابتسامة هادئة وصافية، وأجابت برقة:

-توصل بالسلامة إن شاء الله يا أشرف.

 

لم يحتمل هدوءها، فاقترب خطوة أخرى وقال بصوت يقطر شوقًا متدفقًا:

-إوعي تنسيني يا دليلة.

 

ابتسمت بخفة وحاولت تلطيف الأجواء ببعض المزاح:

-هو في حد بينسى قرايبه برضه يا أشرف؟!

 

تغيرت ملامحه، ونظر إليها بنظرة ذات مغزى عميق، وقال بنبرة غامضة:

-فاكرة لما سألتك عن حياتك في السعودية وعن رأيك فيها؟

 

هزت رأسها بإيجاب وهي تحاول فهم مقصده:

– آه، فاكرة.

 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وتابع بثقة تامة ونبرة تملأها التفاؤل:

-هترجعي السعودية تاني يا دليلة، وقريب جدًا إن شاء الله.

 

اتسعت عيناها باستغراب شديد من كلامه غير المفهوم، وردت عليه بدهشة:

-وأنا إيه اللي هيرجعني هناك؟! إذا كان بابا نفسه خلاص استقر هنا ومش ناوي يسافر تاني؟!

 

أشاح بوجهه قليلاً ثم التفت إليها وقال بغموض:

-كل شيء في وقته حلو يا دليلة.

 

ثم أردف بضعف وعيناه تتوسلان إليها للمرة الأخيرة:

-إوعي تنسيني يا دليلة.

 

ساد الصمت للحظة، فشعرت دليلة بالارتباك من تلميحاته، قطعت الحديث وتحركت بسرعة فائقة متجهة نحو البوابة الداخلية لتتهرب من الموقف، حيث رأت جدتها تخرج بصعوبة وهي تستند على عايدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *