حب تحت القيود الجزء الأول
انتشر خبر وفاة الحاجة سعدية بسرعة في البلدة الصغيرة، وبدأ الجيران والأقارب البعيدون يأتون لتقديم واجب العزاء.
كانت فرحة تجلس منكسرة تمامًا، تستقبل عبارات التعزية بصمت وعينين فارغتين من أي أمل.
وصل مهاب في وقت متأخر من العزاء، محترمًا حرمة المكان والموقف، ووقف بعيدًا قليلاً بين الحضور، لا يريد أن يفرض حضوره في وقت حساس كهذا. لكن بعض النساء الحاضرات لاحظن قدومه، وبدأت الهمسات تتصاعد من جديد، هذه المرة بصوت أعلى قليلاً وسط جو العزاء المشحون:
“شايفة؟ جه حتى في العزا. ده مش طبيعي إن ضابط يهتم بالدرجادي ببنت مش له فيها قرابة.”
“الله أعلم بقى، بس الكلام اللي بيتقال كتير، ومفيش دخان من غير نار يقولوا.”
سمعت إحدى الجارات هذا الهمس، واقتربت من فرحة بعد انتهاء جزء من العزاء، وقالت لها بصراحة مؤلمة، ظنًا منها أنها تسدي لها نصيحة:
“يا فرحة، إنتِ دلوقتي وحيدة تمامًا، لا أب ولا أم، وأخوكِ في مصحة. الكلام على سمعتك بدأ يكبر بسبب الضابط ده. لازم تفكري كويس في وضعك، قبل ما الكلام يوصل لحتة مش هتقدري تصلحيها.”
شعرت فرحة بثقل إضافي يُضاف إلى حزنها العميق – ليس فقط فقدان والدتها، بل أيضًا خوف حقيقي من مستقبل مجهول تواجهه تمامًا وحدها، وسط مجتمع لا يرحم من لا “ظهر” يحميها.
بعد أيام من العزاء، وبينما كانت فرحة تحاول استيعاب حجم الفراغ الذي تركه وفاة والدتها، جاءها مهاب في زيارة قصيرة للصيدلية، محاولاً أن يطمئن عليها كعادته، لكنه هذه المرة وجدها في حالة انهيار مختلفة تمامًا – ليس فقط من الحزن، بل من ثقل نظرات الناس وكلامهم الذي وصل إليها من كل جانب.
سألها بقلق واضح: “فرحة، إنتِ كويسة؟ حاسس إن في حاجة تانية بتضايقك غير موضوع والدتك.”
ترددت فرحة طويلاً قبل أن تجيب، لكن الإرهاق النفسي دفعها أخيرًا للصراحة: “الناس بقت بتتكلم يا فندم… عليّ وعليك. بيقولوا إن علاقتنا مش طبيعية، وإني… إني بستغل اهتمامك عشان مصلحتي.”
شعر مهاب بصدمة حقيقية، ليس من الاتهام نفسه، بل من إدراكه أن اهتمامه الصادق بها قد تحول، في نظر مجتمع صغير لا يرحم، إلى وصمة إضافية تُثقل كاهل فتاة فقدت للتو كل سند لها في الحياة.
نظر إليها طويلاً، وشيء ما بداخله بدأ يتشكل بوضوح تام ، لم يعد الأمر مجرد تعاطف مهني أو إنساني، بل إعجاب حقيقي كان يكبر بصمت منذ أول مرة رآها فيها تدافع عن أخيها بشجاعة أمام صفوت.