حب تحت القيود الجزء الأول
كان يسألها بصدق: “الوالدة عاملة إيه؟ محتاجة حاجة؟” وأحيانًا كان يقف قليلاً يتحدث معها عن أمور بسيطة، محاولاً أن يخفف عنها ولو للحظات قصيرة عبء ما تحمله وحدها.
في إحدى المرات، وجدها منهكة تمامًا خلف كاونتر الصيدلية، وعيناها حمراوان من قلة النوم والبكاء. سألها بقلق واضح: “فرحة، إنتِ آخر مرة نمتِ إمتى؟”
ابتسمت ابتسامة متعبة: “مش فاكرة يا فندم. بس ماشي الحال.”
لم يقتنع مهاب بهذا الرد، لكنه لم يجد وسيلة مباشرة ليساعدها دون أن يتجاوز حدود علاقتهما الرسمية. اكتفى بأن يمر عليها أكثر، ويحضر لها أحيانًا وجبة بسيطة أو يسأل عن حالة والدتها بصدق يشعر هو نفسه بغرابته أحيانًا.
لم يكن من الممكن أن تمر هذه الزيارات المتكررة دون أن تلفت انتباه أهل البلدة، فالمكان صغير، والعيون كثيرة، والألسنة أكثر. بدأت همسات تتردد بين نساء الحي:
“شايفة الضابط بيعدي على الصيدلية كل يوم؟ إيه اللي وراه؟”
انتقل الهمس تدريجيًا من الشك إلى التأكيد الكاذب، كما تفعل الشائعات عادة في المجتمعات الصغيرة، حتى وصلت الأخبار إلى أذني بعض أقارب فرحة الذين لا يسألون عنهم لكن هذه الأيام بدأت زياراتهم وتلميحاتهم العجيبة والغير مفهومة.
حاولت فرحة أن تتجاهل الكلام، مقنعة نفسها أنه مجرد ثرثرة عابرة ستزول مع الوقت. لكنها لم تكن تعلم أن هذا الهمس سيتحول قريبًا إلى عبء إضافي في وقت هي في أمسّ الحاجة فيه للسكينة.
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، استفاقت فرحة على صوت أنفاس أمها المتقطعة. أسرعت إلى غرفتها، فوجدت الحاجة سعدية تتنفس بصعوبة بالغة، ووجهها شاحب بشكل مرعب.
اتصلت بسيارة إسعاف بيد مرتجفة، وحاولت أن تهدئ من روع نفسها بينما كانت تراقب أمها بعينين مليئتين بالدموع المكتومة. وصلت السيارة، ونُقلت الحاجة سعدية للمستشفى المحلي على عجل، وفرحة تصلي بصمت طوال الطريق أن تمنحها السماء مزيدًا من الوقت مع والدتها.
لكن الوقت لم يمهلها كثيرًا. بعد ساعات من المراقبة والمحاولات الطبية اليائسة، خرج الطبيب من غرفة العناية المركزة بوجه يحمل الخبر الذي كانت فرحة تخشاه أكثر من أي شيء آخر في حياتها:
“أنا آسف ، البقاء لله.”
انهارت فرحة في تلك اللحظة، وسط ممر المستشفى الفارغ، وحيدة تمامًا، بلا أخ يقف بجانبها، وبلا أب منذ سنوات طويلة، وبلا أحد سوى صمت المكان الثقيل وصدى بكائها المكتوم.