الفصل الثامن عشر لولا الغرام بقلم روز أمين حصري

-أنا قُلت لك وياما نصحتك يا نهلة، قولت لك انهم مستحيل يوافقوا.

 

وتابعت بأنينٍ صارخ لإجل صديقتها:

-ياريتك صدقتيني، ياريتك سمعتي كلامي، مكنش زمان كل ده بيحصل .

 

التفتت إليها بعينين زائغتين، وبنبرة محطمة بفضل خيبتها، قالت من بين غصات حلقها:

-كنت فاكراهم بني آدمين يا مايا، كنت فاكرة إنهم ممكن يحسوا بيا، أو إن ليا غلاوة عند بابا تخليه يسمعني ويفهمني، يشوف وجعي ويحس بيه.

 

توقفت للحظة، والتفتت بوجهها نحو النافذة وباتت تتطلعُ بملامح مستسلمة خاوية،ثم تابعت بصوتٍ يصرخ ألمًا:

-طلع زيهم، مفيش أي فرق بينه وبينهم،نفس الجمود والجحود والأنانية.

 

شعرت “مايا” بالخوف يتسلل إلى أعماقها وهي ترى مدى حزن الفتاة وصرخاتها المتألمة،فقالت وهي تربت على ظهرها بحنانٍ ورفق:

-اهدي عشان خاطري، جسمك بيرتعش وشفايفك بدأت تزرق، لو فضلتي على الوضع ده أكتر من كده قلبك ممكن يقف .

 

وتابعت لتهدأتها والتخفيف عنها:

– أنا هقوم أجهز لك الحمام بنفسي، هحط لك الزيوت والورود اللي بتحبيهم،أكيد الماية الدافية هتهدي لك أعصابك.

 

لم تجبها، بل ظلت تتطلع ببصرها نحو النافذة، بينما عيناها تصرخان من شدة الألم، وكأنها ترى مشهد نهايتها يُعرض أمامها.

 

ملأت الأخرى المغطس بالماء الدافئ، وعادت لتسند جسد شقيقة زوجها الذي صار واهنًا ومستسلمًا للضياع، تجردت من ثيابها بآلية، وهبطت في الماء، وما إن استلقت، حتى انفجرت دموعها بغزارة من جديد،ظلت تبكي بمرارة كمن لم تبكي من قبل، كانت تبكي بكل جوارحها، وتشهق بمرارة تشق الصدور،كلما انهمرت دموعها لتبحث عن الراحة، كان الوجع في قلبها يتسع ويزداد ضراوةً، وكأن الماء يذيب قشور الأمل الأخيرة، ليتركها عارية تمامًا أمام حقيقة أن حكايتها قد انتهت وانتهى الآمر.

 

_______*________

 

قضى ليلته يتقلب على جمر الحيرة، يكاد عقله يطير من فرط القلق والحزن والغضب، كان يريد معرفة أخبارها بلهفة ، تشبث بهاتفه وتجرأ للمرة الأولى، وطلب رقمها المرة تلو الأخرى، لكنه في كل مرة يأتيه صوتًا آليًا يخبرهُ أن هذا الهاتف مغلقًا.

 

 

تضاعف جنونه، وافترسه هلعًا شل أطرافه، مرّت تلك الليلة ثقيلة كالجبال عليه، وعلى نهلة التي كانت في الجانب الآخر تعيش جسدًا بلا روح، غائبة عن الوعي والحِس، انقضت أيام عدة، سافر خلالها أشرف وسط دموع المودعين، حاول رشيد بكل الطرق الممكنة الوصول إلى نهلة، لكن كل محاولاته بائت بالفشل، في النهاية، استسلم لواقعه المرير،وأدرك أنها تعاقب من أهلها بحبسها في المنزل كما المرةِ السابقة، خاصة بعدما انقطعت عن الحضور في الجامعة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *