الفصل الثامن عشر لولا الغرام بقلم روز أمين حصري
-أنا كنت خايفة عليك من أهلها، الناس دي مكنتش هترحمك لو كنت اتجوزتها غصب عنهم.
وتابعت بأعين يملؤها الصدق:
– أنا عملت كده عشان أحميك.
لم يمنحها كلمة واحدة بالرد، ولم يحاول حتى معاتبتها، بل رماها بنظرة اشمئزاز قاسية، رمقها فيها من أعلاها إلى أسفلها، ثم استدار عنها بجفاء، ومضى بخطوات آلية متجهاً نحو البوابة.
خرج من أسوار الجامعة وهو لا يشعر بوطأة الأرض تحت قدميه، كأنما فُصلت حواسه عن الواقع تمامًا، لقد غادره الوعي، وانطفأت روحه، ليصبح مجرد شبح إنسان يتحرك بلا غاية، يحمل في صدره قلبًا ميتًا، خاليًا من مظاهر الحياة .
________*________
توالت الأيام ومرت ثقيلة، حتى أطل يوم عقد القران متسارعاً كأنه يركض نحو حتفها نحو المجهول، أُقيم الحفل في حديقة قصر “منير الخولي”، واقتصر الحضور على عائلتي العروسين والمقربين منهم فقط.
كانت نهلة تتحرك بين الحشود أشبه بج\ثة متحركة، نُزعت منها الروح وبقي الهيكل، في المقابل، كان أدهم يعيش في عالم موازٍ تمامًا، غمرت قلبه سعادة عارمة لو وُزعت على أهل الأرض جميعًا لكفتهم وفاضت.
صدح صوت المأذون بكلماته الشهيرة معلنًا إتمام الإجراءات:
– “بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير”
كانت نهلة ترمق أدهم ووالدها وهما يوقعان على دفتر الزواج بنظرات باهتة، لم تكن ترى عقد قران، بل كانت ترى وثيقة وفاتها التي خُتمت بالدم، دماء روحها التي ذُبحت قربانًا وفداءً لمن ملك القلب والوجدان.
ما إن انتهى المأذون، حتى نهض أدهم ممسكًا بكف نهلة، يحثها برفق على الوقوف معه، وبدون مقدمات، طبع قبلة حانية على وجنتها وجذبها إلى صدره في عناق طويل ودافيء، دفن رأسه بين حنايا عنقها، وأغلق عينيه محتضنًا إياها بقوة تترجم فيض مشاعره.
كان شعوره غريبًا، كأنها الحبيبة التي تمناها لسنواتٍ وسنوات، واليوم يجمع بينهما الحلال تحت راية الحب.
أما هي، ورغم حالة اللاشعور والموت البطيء التي تسكنها، فقد سرى في أوصالها نفورٍ فظيع، تمنت لو تملك القوة لتدفعه عنها بعيدًا، وتصرخ في وجوه الجميع، تمنت لو تركت هذا المكان وركضت نحو رشيد، لترتمي في أحضانه وتحتمي به من غدر البشر والزمان.
لكنها تذكرت أنها لو فعلت ذلك، ستكتب شهادة وفاته بيديها، لقد اختارت موتها هي ليحيا هو، وعليها أن تمضي في خيارها القاسي حتى النهاية.