الفصل الثامن عشر لولا الغرام بقلم روز أمين حصري
أيقظها من صراعها النفسي المرير صوت أدهم، وهو يهمس قرب أذنها بنبرة تقطر حنانًا :
-مبروك يا حبيبتي.
تراجع قليلاً، ثم ضم وجهها بين كفيه، وحدق في عينيها بعشق جارف يكاد يقفز من ملامحه، وهمس:
-نورتي دنيتي يا نانا.
أجبرت شفتيها على رسم ابتسامةٍ باهتة فاقدة للحياة، واكتفت بهز رأسها دون كلام، اقترب منهما منير، وضع يديه على كتفيها، ونظر في عينيها بنظرة محملة بالاعتذار والأسى وهو يقول:
-مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك.
نظرت إليه بكل ما تحمله روحهما من وجع وخزي، ثم تراجعت بجسدها إلى الخلف ببطء، متملصة من لمسته بهدوء، نزل هذا الجفاء بغصة في نفس منير وأوجع قلبه عليها، فهو يعلم يقينًا أنه آلمها، وضغط عليها بقسوة، وربما يكون قد كسر كبرياءها، لكنه أقنع نفسه بأن كل هذا من أجل مستقبلها ولحمايتها.
كان يرى أن ما أقدمت عليه سابقًا خطيئة كبرى، لقد كسرته وقللت من هيبته حين فكرت في الزواج سرًا دون علمه، وأحرجته أمام زوجته وأولاده، مؤكدةً لهم صحة نظريتهم بأن دلاله لها كان في غير محله.
انهالت تبريكات المهنئين عليهما من الجميع، فيما تماسكت نهلة إلى أقصى حد، وحبست دموعها خلف جفونها بقوة، مستسلمة لكل هذا العذاب، لأجل أن تنقذ روح حبيبها.
_______*_______
في الوقت عينه، وعلى ضفاف نهر النيل، وقف يتطلعُ ببصره نحو المياه، لم تكن عيناه تذرفان الدموع فحسب، بل كان قلبه ينزف بمرارة أحدثت في صدره وجعًا أشبه بسكرات الموت وخروج الروح.
بجواره، كان يقف صديق عمره الوفي، الذي تقاسم معه مرارة الأيام وحلوها، “سامر توفيق”، فقد كان يطوق كتفيه بذراعه في محاولة حانية لاحتوائه، بينما سبقت دموعه دموع صديقه المكلوم.
قال بنبرة متألمة في محاولة لانتشاله من غيابات الحزن:
-كفاية يا رشيد، اللي بتعمله في نفسك ده مش هيرجعها لك تاني.
اللتفت إليه وقد غلبه البكاء والشهقات المختنقة، وتمتم بكسرة وذل:
-صعبان عليا نفسي أوي يا سامر.
ثم تابع بكلمات كأنها خناجر تمزق صدره وتضغط بقوةٍ فوق جراحه:
-أول مرة أحس إني قليل أوي كده.
رفع كتفيه للأعلى وتابع بمرارة ودموعه تسبق حروفه:
– أنا طلعت ولا حاجة، مجرد نكرة ملوش أي وجود.
هتف الآخر بسرعة مؤازرًا لصديقه: