الفصل الثامن عشر لولا الغرام بقلم روز أمين حصري
ساد الصمت بينهما، صمت ثقيل أخرس لسانه لأنه أدرك في أعماقه أنها على حق، وأن نفوذ عائلتها لا يعرف الرحمة.
راحت تتأمل تفاصيل وجهه بنظرات طويلة وعميقة، كأنما تطبع ملامحه في حنايا ذاكرتها لتعينها على أيامها القادمة.
قالت بشفاه مرتعشة ونبرة أقرب إلى الوداع الأخير:
-دي آخر مرة هتشوفني فيها، وقبل ما أمشي عاوزة أقولك، إني عمري ما حبيت ولا اتمنيت في الدنيا دي غيرك.
انفجرت بالبكاء مجددًا، وهزت كتفيها بضعفٍ وانكسار وهي تتابع:
-ومش عارفة إذا كنت هقدر أنساك وأحب جوزي وأبدأ معاه حياة جديدة، ولا هفضل دافنة نفسي في قصة حبنا اللي مكملتش.
تزلزلت الأرض تحت قدميه، واهتز كيانه بالكامل متأثرًا بحديثها الذي نزل على قلبه كالصاعقة، بينما استجمعت هي بقايا قوتها، وقالت بصدقٍ قفز من بين نظراتها:
-أنا ما ضحكتش بيك، أنا قدمت نفسي قربان علشانك
وتابعت بدموعٍ وصوتٍ مزق نياط قلبه:
-فديتك بروحي يا رشيد.
جففت دموعها،وتمتمت بنبراتٍ شقت صدرها لتخرج:
-خلي بالك من نفسك، انجح واشتغل، وحقق كل الأحلام اللي حلمناها مع بعض.
شهقت بقوة ألمت روحه، ثم مالت برأسها قليلاً، وتطلعت إليه بنظرة استعطافٍ أخيرة،لتهمس بصوت يصرخ مترحيًا:
-بس أوعى تنساني، خليك فاكر إن فيه واحدة اسمها نهلة، رمت نفسها في النار علشان تفديك.
أنزلت نقابها على وجهها لتخفي انكسارها، ثم استدارت ومضت بخطوات متثاقلة، كأن سيقانها تتمرد عليها وترفض الحراك، كان قلبها يصرخ ملتاعًا وهي تخط بيديها كلمة النهاية، وتُسدل الستار على قصة حب طالما أملت أن تكمل فصولها حتى الرمق الأخير، لكن القدر كان له رأي آخر.
ظل محملقًا ببصره نحو طيفها الراحل حتى اختفت تمامًا عن ناظريه، كان واقفًا في مكانه كالمشلول، وكأن الزمان قد توقف، وتشوحت الدنيا من حوله بالسواد حدادًا على قصة حب ذُبحت في مهدها.
________
وإلى هنا، تنتهي قصة بطلتنا التي اخترت لها اسم “نهلة”.
فمنذ ذلك اليوم، لم يلتقِ بها رشيد نهائيًا، ولم ترى عيناه طيفها مجددًا، لم يصل إليه أية أخبارًا عنها رغم أنه كان يستطيع الوصول بسهولة، لكنه أغلق بيديه جميع الأبواب المشتركة بينهما، وهي أيضًا، طوت صفحة الماضي خلف ظهرها، ولم تحاول يومًا أن تهاتفه أو تبحث عن أثره.