وخنع القلب لعمياء الجزء الرابع
كان يعقوب يُحدق بالزينة الموضوعة بالغرفة وإلى الورود والستائر الملونة وقال بشرود:-
– شكرًا يا دكتور..
نظر الطبيب إلى ما ينظر إليه ليتبادل النظرات مع يامن الذي يكبح ضحكته بالكاد على وجه يعقوب العابس..
أشار الطبيب للمرضة قائلًا:-
– اسحبي عينة دم..
__________بقلم/سارة نيل_________
بالممر كانت لبيبة تتقدم رِفقة التي تسير والبسمة لم تفارق ثغرها، لكن جذب إنتباههم تلك الجلبة والضجيج الذي يملأ الأرجاء بينما الممرضات تهتف بإسراع مُكررين:-
– يعقوب بدران … يعقوب بدران .. بسرعة علشان تعليمات الدكتور..
تجمدت الدماء بعروق لبيبة ورِفقة والتي سقط عكازها ثم أخذت تهرول باتجاه غرفة يعقوب لتقتحمها بنبضات قلب تدوي كالطبول…
لتتفاجئ بما اشتاق قلبها له كثيرًا، بما بذلت لأجله آلاف لحظات الصمود..
بما كان لها بقعة النور في وسط سماءها المظلمة، مشكاتها المضيئة..
هرعت إليه وأعينها وجميع أعضاء جسدها تفيض شوقًا وحنانًا، وجاءت تطوق وجهه لكنه أعرض عنها ورمقها بنظرة باردة مستديرًا للجهة الأخرى لتظل كفيها مُعلقة في الفراغ وابتعلت شوقها وتمثلت بحلقها غصة ككومة من الأشواك الذي حصدت منها الكثير بحياتها…
إنها لم تُجازى بحياتها سوى بالأشواك، لم يُجازيها أحد بالورد أبدًا…
لتكتمل حلقة الألم بإعراض يعقوب عنها…
أمّا رِفقة التي تجمدت بأرضها ونبض قلبها تزعم أنه أسمع الأرجاء…
هذا الشعور القاتل لم تشعر به من قبل، شعور الإرتعاب ليُصيبها الهلع فور أن رأت لبيبة تخرج بهذه الخيبة المرتسمة على وجهها وهذا الأكفهرار..
صاحت بنبرة باكية ممزقة، صيحة خرجت من قلبها ونزعت يدها من يد والدها وهي تركض بوجه انسحبت منه الحياة تقتحم الغرفة وبكاءها باسم يعقوب يسبقها:-
– يعقوب…..
إلا أنها تخشبت في مفاجأة تُسر العاشقين، وازدهر وجهها الشاحب وترعرت به الحياة وهي تنظر له بعدم تصديق..
أما يعقوب الذي وثب من نصف رقدته بلهفة فور سماعه صوتها يلتفت لينظر إلى مسرتهُ بهذه الحياة، مَنْ لها وبها ينبض قلبه…
نطق بعشقٍ خاص كان خبر إطمئنان لقلبه أكثر من كونِه نداء ملهوف محتاج إجتاح كل القيود..
– رِفقة .. أرنوبي..
ولم تكن من رِفقة إلا أنها لبت النداء بقلبٍ أهلكه الشوق والتوق إليه…
سعت إليه بكل مشاعرها، فكان عدوها إليه عدو من كان على وشك الغرق ثم أُنقذ باللحظة الأخيرة فأحذ يجتر ذرات الأكسجين إلى صدره بنهم..
حواها بين ذراعيه يحتضنها بلهفة وشوق وقوة لو كانت في غير سكرتها المشتاقة لتألمت، كان يزرعها بأضلعه يتحسس كل شبر بوجهها وكأنها جوهرته الثمينة التي يتأكد من سلامتها..
ورِفقة التي أحاطت وجهه تراه أمامها للمرة الأولى .. يعقوب الفائض بالحنان..
ترى العشق بأعينه للمرة الأولى، هذا الوميض الخاص بها فقط بأعينه…
لتلتقي الأعين للمرة الأولى …عفوًا بل للمرة الثانية بعد سنوات طويلة، الأولى كانت مشوشة لكن هذه واضحة جلية..
عفوًا وماذا عن تحديق تلك الأعين البريئة النقية والتي أعلنت مصرعه في عالم العشق…!!
تلك النظرات البريئة التي قابلها هو بالشك وسوء الظن…