قاتل القلوب امينة الريحاني
عاد شهاب إلى منزله وهو في حالة غير طبيعية من أثر كلام حسن عليه.
كان الشرود واضحًا على وجهه.
وجد كارما في انتظاره.
وما إن رأته حتى جرت نحوه وارتمت بين أحضانه.
لكن هذه المرة لم يتجاوب معها شهاب، ولم يبادلها مشاعرها المعتادة، بل ابتعد عنها وجلس على السرير.
شعرت كارما بالدهشة والقلق.
جلست أمامه على ركبتيها، وأمسكت بيديه.
كارما: مالك يا شهاب؟
لم يجبها.
ظل ينظر إليها في صمت.
كانت الأفكار تتصارع داخل رأسه.
هل يمكن أن يكون ما يراه أمامه من حب طوال هذه السنوات مجرد تمثيل؟
هل يمكن أن تخدعه كارما كل هذه السنين، ويعيش على وهم كبير اسمه الحب؟
لا…
لا يمكن.
فهذه هي كارما…
حبيبته التي رباها على يديه.
كبرت أمام عينيه، وكبرت في قلبه.
لا يمكن أن يكون حبهما وهمًا أو لعبة.
ولا يمكن لكارما أن تخدعه أبدًا.
لكن كلمات حسن عادت ترن في أذنه:
“وابقى بلغها إني هبقى معاها قريب… فبلاش تبقى قلقانة كده وقلبها مقبوض.”
ازدادت حيرته، وبدأت تظهر بوضوح على ملامحه.
وأفاق من شروده على صوت كارما.
كارما: إيه يا شهاب؟ بكلمك من ساعة ما جيت وما بتردش عليا. أنت مش سامعني؟
شهاب بضيق: معلش… سرحت شوية. كنتِ بتقولي إيه؟
كارما: بقولك مالك يا حبيبي؟ شكلك مضايق.
شهاب: إنتِ لسه قلبك مقبوض وقلقانة؟
استغربت من سؤاله.
كارما: ليه بتسأل السؤال ده؟
شهاب: مفيش… بطمن عليكي.
كارما: لا يا حبيبي، طول ما أنت معايا أنا ببقى مطمنة وبنسى كل القلق.
ابتعد عنها شهاب متجهًا إلى خزانة الملابس ليبدل ملابسه، بينما كانت هي تراقبه باستغراب.
كارما: طب أنا هروح أحضرلك العشا على ما تغير هدومك.
شهاب: لا… أنا هنام على طول.
كارما: ليه يا شهاب؟ مش هتتعشى؟
شهاب: مليش نفس… تصبحي على خير.
وتركها ودخل لينام.
أما كارما فظلت واقفة مكانها تنظر إليه في حيرة.
كارما في نفسها:
“هو في إيه؟… ماله؟”
الفصل السادس
تمر الأيام وتلاحظ كارما تغير شهاب، فقد أصبح دائمًا مهمومًا وشارد الذهن، ويتجنب الحديث معها أغلب الوقت. كان كلام حسن يتردد دائمًا في ذهنه، مما يزيد الشك بداخله ويضاعف حيرته.
أما كارما فلم تعد تقدر على رؤيته بهذه الحالة دون أن تعرف السبب، فقررت أن تسأل كريم عن سبب حزن شهاب.
اتصلت كارما بكريم وطلبت منه أن يأتي إليها لأمر عاجل، وبالفعل ذهب إليها.
كريم يقبل رأس كارما: وحشاني يا كوكي.
كارما بضيق: هو أنت فاكر أصلًا إن ليك أخت وحيدة والمفروض تسأل عليها؟ ده أنا لولا إني طلبتك تيجيلي مكنتش شوفت وش جنابك.
كريم مبتسمًا: معلش يا حبيبتي، جوزك ساحلني في الشغل معاه.
كارما ساخرة: أيوة… لبسها في شهاب! الشغل برضه اللي شاغلك ولا السرمحة طول الليل؟ ماما قايلالي على كل حاجة.
كريم ضاحكًا: ربنا يخليكي ليا يا ليلى هانم، فضحاني في كل حتة.
كارما بجدية: المهم أنا عايزاك في موضوع مهم.
كريم: خير يا كوكي؟
كارما: شهاب ماله يا كريم؟
تلجلج كريم للحظة ثم قال: ماله إزاي يعني؟
كارما: بقاله كذا يوم شكله مضايق وعلى طول سرحان.
كريم: آه… معلش، عندنا مشاكل كتير في الشغل اليومين دول، وإنتِ عارفة بقى جوزك حمقي وبياخد كل حاجة على أعصابه.
أمسكت كارما وجه كريم ونظرت داخل عينيه مباشرة.
كارما: كريم! أنا أختك وأكتر واحدة بعرفك لما بتكدب. ممكن أعرف إيه اللي مضايق شهاب؟ أنت أكيد عارف، لأنك مش بس ابن عمه وأخو مراته، أنت كمان صاحبه الوحيد.
كريم مدعيًا المزاح: يا بنتي إنتِ زنانة ليه كده؟ ما قلتلك مفيش حاجة. هو جوزك مستحملك إزاي كده؟
كارما: أوك يا كريم، براحتك. بس عايزة أقولك إني هعرف، سواء منك ولا من غيرك… بس هعرف.
كريم: هتعرفي إزاي؟
كارما بثقة: جرى إيه يا كريم؟ أنا برضه كارما الصفدي.
ظل كريم ينظر إليها، بينما قرأت هي في عينيه الضيق والحزن.
كارما بقلق: إيه اللي حصل يا كريم؟ أرجوك طمني، أنا حاسة إن في حاجة إنتوا الاتنين مخبينها عليا.
تنهد كريم باستسلام: حاضر يا كارما… هقولك على كل حاجة.
في شركة الصفدي:
يجلس شهاب في مكتبه داخل الشركة في حالة من الضيق، ناظرًا إلى هاتفه وكأنه ينتظر مكالمة هاتفية.
وعندما يئس من الانتظار، تحدث مع نيفين.
شهاب: نيفين! عايز أسألك على حاجة… الشخص اللي جالي من كام يوم ومكنش راضي يقول اسمه، مجاش تاني؟
نيفين: لا يا فندم، مجاش.
شهاب: ولا اتصل؟
نيفين: ولا اتصل يا فندم.
أغلق شهاب الهاتف مع نيفين ليعود إلى شروده مرة أخرى، ولكن هذه المرة قطع شروده رنين هاتفه.
شهاب: ألو.
حسن: إزيك يا بشمهندس؟ أنا حسن خليل.
شهاب بحدة: إنت جبت رقمي منين؟
حسن بسخرية: بلاش أجاوب عشان مضايقكش.
حاول شهاب أن يتمالك أعصابه حتى لا يخسر ما يريد معرفته.
حسن: أنا طبعًا عارف إنك مستني مكالمتي دي من ساعة ما جيتلك، وإنك هتجنن وتسمع الكلام اللي عندي.
شهاب: مين اللي قالك الكلام الفارغ ده؟ ومين أصلًا فهمك إني مصدق كلمة واحدة من اللي قلته؟
حسن: عمومًا، لو تحب ممكن أكرر زيارتي تاني، بس المرة دي لازم تبقى هادي عشان تقدر تسمع وتتقبل اللي هقوله وأعصابك متفلتش منك.
شهاب: قصدك الكذب اللي هتكذبه.
حسن: سميها زي ما تسميها… المهم إنك هتجنن وتسمع الكذب ده وتعرف إيه دليلي عليه.
شهاب: قصره… هتيجي إمتى؟
حسن: الوقت اللي تحدده، بس المرة دي أفضل أجيلك البيت.
شهاب بغضب: إنت اتجننت؟ بيت إيه اللي تيجي فيه؟ محدش علمك إن البيوت ليها حرمة؟
ضحك حسن ساخرًا: مش يمكن الحرمة دي تخصني أكتر ما تخصك؟
اشتعل الغضب داخل شهاب.
شهاب: قسمًا بالله لو ما احترمت نفسك واتعدلت في كلامك لأعرفك شغلك كويس.
حسن: خلاص يا عم من غير تهديد. أنا عايز أجيلك البيت لأن الكلام اللي هقوله مينفعش يتقال في الشركة عندك، وفي نفس الوقت عشان تحصل مواجهة بيني وبين المدام وتتأكد إني مش بكدب عليك.
شهاب: أنا هوافق، بس عشان أشوف كارما وهي بتبهدلك قدامي وتمسح بكرامتك البلاط.
حسن باستفزاز: ميعادنا بكرة الساعة 8… سلام.
أغلق الخط.
شهاب في نفسه: وديني لأقتلك يا حسن يا خليل… بس بعد ما أحط حد لكل ظنوني وشكوكي وأرتاح.