الجزء الأول من الفصل الثامن والعشرون لولا الغرام روز آمين

 

دفعت الغطاء عنها وجلست على الفراش بضيق ممتزج بالضعف، وفي تلك اللحظة، صدح صوت أذان الفجر من خلال المآذن المحيطة بها، مدت يدها وضغطت زر الراديو لتطفئه فوراً، وأخذت تتمعن في الشجن المنساب من صوت المؤذن العذب، فشعرت براحة تنبت في صدرها، وارتجف قلبها خشوعاً.

 

نهضت متجهة نحو الحمام، وانتظرت ريثما ينتهي والديها من وضوئهما، وما إن خرجت والدتها حتى دلفت هي، فتوضأت وارتدت إسدال صلاتها، فرشت السجادة وشرعت في الصلاة، وعندما لامست جبهتها الأرض في السجود، انهمرت دموعها التي حبستها طويلاً، وراحت تدعو بتضرع:

-اللهم إني أدعوك أن تريح قلبي وتهديني إلى الحق، فأنا أعلم يقيناً أننا كالمشرق والمغرب، ولا يمكن لأي مكانٍ أن يجمعنا أبداً.

 

انفجرت باكية بحرقة وشهقاتها تعلو في أرجاء الغرفة:

-اللهم أخرجه من وجداني وطهر عقلي من طيفه، أدرك يقيناً أن وصاله مستحيلاً، وربما لا يمر بخاطره اسمي أبداً. يا رب، أفرغ على قلبي سكينةً تريحه، فما عدتُ أقوى على حمل هذه العواطف، ولا طاقة لي بكل هذا الوجع.

 

انتهت من صلاتها، وجلست فوق السجادة تناجي ربها وتترجاه أن يمن على قلبها بالسكينة، وبعد أن هدأت ثورتها، طوت السجادة وخلعت الإسدال، وعادت إلى فراشها وراحت تذكر الله على أصابع يدها.

 

تناهى إلى مسامعها صوت طرقات خفيفة على الباب، ثم دلفت والدتها، وما إن أشعلت الضوء حتى تملكها الذعر وهي ترى عيني ابنتها المحمرتين وجفونها المنتفخة من أثر البكاء، فقالت بلهفة وخوف:

-مالك يا بسمة، انتِ كنتي بتعيطي ؟

 

أجابتها بارتباك محاولةً مداراة غصتها:

-مفيش حاجة، كان عندي شوية صداع بس الحمدلله راحوا.

 

رمقتها بنظرة مستغربة تشوبها الشكوك، وقالت:

-وهو الصداع يخليكِ تعيطي؟!

 

أشاحت بوجهها قائلة بوهن:

-عادي بقى يا ماما

 

التفتت الأم لتغادر الغرفة وهي تمتم بحنان:

-طب نامي وهتبقي كويسة.

 

كانت على وشك المغادرة حين استوقفتها بسمة بنبرة فضولية:

-انتِ كنتي جاية ليه يا ماما؟.

 

استدارت وتحدثت بنبرة حانية:

-أخوك لسه راجع من برة، وكنت هقولك تسخني له الأكل بدل ما يا حبيبي ينام على لحم بطنه.

 

انتفضت واقفة وهي تحاول رسم ملامح طبيعية على وجهها:

-تمام، بس هروح أسأله الأول.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *