الجزء الأول من الفصل الثامن والعشرون لولا الغرام روز آمين
تحركت بخطوات شبه متسارعة نحو غرفة رشيد، ووقفت أمام الباب تلتقط أنفاسها قبل أن تطرقه بخفة، في الداخل، كان ينتهي من ارتداء ثيابه المنزلية، فسمح لها بالدخول ما إن انتهى.
دلفت مشبكة أصابعها خلف ظهرها بتوتر، وقالت بصوت حاولت جعله هادئاً:
-ماما قالت لي أسخن لك الأكل فقولت أسألك الأول.
التفت إليها واكتف بابتسامة خافتة وهو يقول:
-أنا أكلت بره مع عمر .
بحثت في عقلها عن أي حجة تمنحها دقيقة إضافية،قبل ان تسألهُ متعللة:
-طب أحمر لك طاسة بطاطس؟.
أجابها بنبرة ممتنة وهو يتجه نحو فراشه:
-تسلمي يا بسوم، أنا نعسان وهنام.
شعرت بالوقت يداهمها، فقررت أن تجازف وتستدرجه في الحديث لتصل إلى غايتها، سألته بلهجةٍ مفتعلة العفوية:
-هو انت هتعزم أصحابك امتى؟.
جلس رشيد على طرف السرير، ورمقها بنظرة غامضة قبل أن يجيب:
-لما سامر ومحمود ينزلوا إجازة.
فركت كفيها ببعضهما بحركة عصبية نمت عن اضطرابها الداخلي، وتابعت بسؤال آخر وهي تحبس أنفاسها:
-مش هتعزم حد تاني معاهم؟.
تصلبت نظراته، واستبدت به الدهشة فضيق عينيه بذكاء يحاول قراءة ما خلف سطورها، وسألها بنبرة مستنكرة:
-حد تاني زي مين؟!.
شعرت بالدماء تتدفق إلى وجهها، وهربت بعينيها بعيداً عن حصار نظراته الحادة، أدركت في ثوانٍ معدودة أنها تسرعت، وأن اندفاعها كاد أن يطيح بكل حذرها، لذا تملكها رعب حقيقي تجسد في نبرة صوتها المتلعثمة:
-من أصحابك الجداد مثلاً اللي اتعرفت عليهم في الشغل.
رد عليها بجدية صارمة لم تخلُ من الحيرة:
-ما انتِ عارفة إني مبدخلش أي حد في بيتي، وإن سامر وعمر ومحمود دول مش أصحاب، دول يعتبروا إخوات.
هزت رأسها بإيماءات متلاحقة وسريعة، كمن يحاول الخلاص من ورطة،وقالت:
-مفهوم، أنا كنت بستفسر بس علشان نعمل حساب الأكل.
ولم تنتظر سماع رده، بل استدارت وهرولت نحو الباب كمن يفر من كارثة، وهي تلقي كلماتها الأخيرة بأنفاس مقطوعة:
-يلا نام، تصبح على خير.
أطفأت الضوء وغلقت الباب خلفها بسرعة، ليتمتم رشيد في الظلام بذهول وهو يلقي برأسه على الوسادة:
-مالها الهبلة دي كمان!.
أما هي، فلم تتوقف إلا داخل غرفتها، وأوصدت الباب خلفها بقوة وكأنها تحتمي به من العالم، أسندت ظهرها إلى الباب، ووضعت يدها فوق قلبها الذي كان يقرع داخل صدرها بعنف كطبول حرب.