الجزء الأول من الفصل الثامن والعشرون لولا الغرام روز آمين
طوقتها منى بين ذراعيها،وقالت وهي تواسيها:
-متقوليش كدا يا رغدة، كلنا حواليكِ ومحدش فينا هيسيبك.
أما إلهام، فقد حاولت فرض حضورها بكلمات جافة ألقتها كمجاملة باردة:
-عيب تقولي الكلام ده وانت أخت بهاء كامل يا رغدة.
لم تلقَ مواساتها أية صدى، ولم يعرها أحدٌ أي انتباه، إذ كانت تفتقر إلى القبول من الجميع، تقدمت رقية بخطوات مثقلة، وربتت على كتف رغدة قائلة بنبرة حانية:
-قوي نفسك علشان خاطر ابنك يا بنتي، انتي بقيتي سنده خلاص.
تدخلت فاطمة في محاولة ببث القوة في روح تلك المنهكة، فنظرت إلى رقية قائلة:
-سند مين يا ماما، ده راجل الله اكبر عليه.
ثم التفتت بعينيها نحو وائل وأردفت:
-هو اللي هيسندها ويبقى راجلها بعد ابوه الله يرحمه.
حبس وائل أنفاسه، وتنهد بعمق وهو يجاهد بكل ما أوتي من قوة لمنع دموعه التي كانت تنساب بغزارة، حزنًا عميقًا على رحيل أبيه وسنده.
مالت عايدة نحو منى، وهمست لها بنبرة خافتة وهي تسألها:
-هو اسم الله عليه خلص جامعة ولا لسه يا منى؟
أجابتها من بين شهقات دموعها:
-فاضل له آخر سنة في هندسة بترول.
هزت أماني رأسها بتأثر بالغ وقالت ودعواتها تسبق كلماتها:
-ربنا يحميه ويخلصها على خير.
بينما أطلقت عايدة تنهيدة حارة يمزقها الأسى وتابعت:
-الله يرحمه كان راجل محترم، العيبة عمرها ما طلعت منه، الله يصبر قلبها على فراقه.
التفتت وفاء نحو ابنتها المكسورة، وضمتها إلى صدرها بقوة، محتوية رأسها المثقل بالهموم على كتفها، وقالت بنبرة شديدة العزيمة، أرادت من خلالها زرع الطمأنينة بقلبها:
-متخافيش يا قلب امك، أنا عمري ما هسيبك، هاجي أقعد معاكِ في بيتك لحد ما ربنا ياخد أمانته.
تعلقت رغدة بها وشددت من ضمتها إليها، وكأنها طفلة خائفة تبحث عن أي طمأنينة تثبت أقدامها في هذه اللحظة العصيبة، ولكن أي طمأنينة تلك التي يمكن أن تعوضها عن فقدان حبيب عمرها؟إذ كانت تشعر بضياعٍ كامل وتشتت يفتك بعقلها، عاجزة عن استيعاب الغد، أو تخيل شكل حياتها القادمة التي انطفأ نورها برحيل” كمال”.
تقدم بهاء بخطوات هادئة، ونظر إليها ببعض الحنان الذي يداري به حزنه، ثم قال ببطء:
-يلا يا رغدة، قومي يا حبيبتي علشان نروح.
انتفضت في مكانها، وصاحت برفضٍ جنوني واستنكار صارخ: