الجزء الأول من الفصل الثامن والعشرون لولا الغرام روز آمين
أخيرًا، دوت أصوات سيارة الإسعاف، وصعد المسعفون على عجل، ولكن بعد فحص دقيق التفت أحدهم إليهم وقال بأسى:
– البقاء لله.
خرجت صرخة قوية اطلقتها رغدة، صرخةٌ زلزلت أركان المنزل واعتصرت قلوب الجميع بالوجع، في حين اندفع صادق نحو وائل يضمه إلى صدره بعد أن انهار الشاب تمامًا.
غادر المسعفون تاركين جثمان الراحل، لتبدأ وفود العائلة في الحضور، حيث حضرت وفاء وبهاء برفقة زوجته،ثم توافدت عائلة كمال، يعقبها حضور عائلة صادق.
تكاتف صادق وشهاب مع وائل، متجردين من حزنهم مؤقتًا لإنهاء كل الأوراق الرسمية وتصاريح الدفن، حتى شُيعت الجنازة بعد صلاة العصر وسط جمع غفير من الأقارب والمعارف.
انفض الجمع من المقابر بعد مواراة الجثمان الثرى، ولم يبق حول الشاهد إلا الدائرة الأقرب، رغدة وابنها ووالدتها، ومنى وصادق وعائلته، وبهاء وزوجته، وعائلة الراحل كمال.
كانت رغدة في حالة من عدم الاستيعاب، جثت على ركبتيها فوق تراب قبره، وأطلقت صرخات ملتاعة خرجت من أعماق قلبها المفجوع في شريك العمر، ظلت تصرخ بإنكار مرير، بينما التفت حولها منى ووفاء تحاولان احتواء صرخاتها، حتى خارت قواها بعد نصف ساعة من البكاء المتواصل، وفقدت القدرة على الصراخ.
أمالت برأسها المنهك فوق القبر، وقالت بصوت متهدج يقطر قهرًا:
-خلفت وعدك معايا ليه يا كمال، مش قولت لي انك سندي وعمرك ما هتسبني أتبهدل وانت موجود؟
رفعت رأسها المبلل بالدموع وتأملت التراب الذي غيب حضوره، وتابعت وعيناها تفيضان بالدمع:
-هونت عليك ازاي يا حبيبي وانت عارف اني مليش حد بعدك؟.
جلس وائل إلى جوارها، محتضنًا كتفيها الواهنين، وقال بنبرة مبحوحة تخنقها العبرات:
-وانا روحت فين يا ماما، هو انا بردوا مش زي بابا
هزت رأسها برفض قاطع واستنكار أعمى لا يرى سوى فقيدها، وضربت بكفها فوق موضع قلبها وهي تقول بغصة ومرارة:
-محدش في الدنيا دي كلها زي كمال، ده حبيبي، نور عيني اللي كنت بشوف بيه وخلاص انطفى
اقتربت منها وفاء والدموع تغرق وجنتيها وقالت بقلبٍ مفطور على فلذة كبدها:
-يا بنتي حرام عليكِ متعمليش في نفسك كدا
التفتت إليها بنظرة تائهة ومشدوهة وراحت تقول بذهول:
-كمال سابني وراح يا ماما، بقيت لوحدي خلاص.