الجزء الأول من الفصل الثامن والعشرون لولا الغرام روز آمين
-انا مش هسيب كمال، أنا هفضل جنبه.
إلتف الجميع حولها في حلقة من الحب والأسى، يرجونها باللين ويهدئون من ثورتها، محاولين إقناعها بأن البقاء لن يفيد، وأن الواجب يقتضي عودتهم الآن لتجهيز مراسم العزاء واستقبال المواسين.
أخيرًا رضخت لرجائهم، وابتعدت عن حبيبها بصعوبة بالغة، كانت تخطو خطواتها نحو الخارج، بينما تلتفت بعينيها مرارًا وتكرارًا نحو القبر، وتنظر إليه بنظرات توديع مريرة، وقلبها في الداخل يصرخ وينزف دمًا على رحيل حبيب الروح، وعشرة العمر الجميلة التي طويت صفحتها للأبد.
______♕_______
في سكون فجر اليوم التالي، كانت متمددة فوق فراشها، بينما ينساب صوت الراديو بجوارها حاملاً نغمات أغنية “أنت عمري” لكوكب الشرق أم كلثوم. أطلقت زفرة حارة محملة بحزن جارف يملأ أركان قلبها، فمنذ يوم زفاف كريم، وأفكارها مكبلة بذاك الذي سرق لبها بنظراته الآسرة وكلماته الغامضة.
لكن ما مزق نياط قلبها وترك في حلقها غصةً مريرة، هو غيابه التام منذ ذلك اللقاء، رغم أنها باتت تخرج كل يوم متأملةً، متشبثةً بوهم لقاء يجمعهما صدفة.
راحت توجه لنفسها الأسئلة بلوم مرير:
-ولكن، كيف سيراكِ وأين؟
وأجابت روحها المنكسرة في رثاء:
-من يُريد، يجد دائماً الطريق، وهو ضابط شرطة، يملك السلطة والقدرة على فعل المستحيل لو أراد، لكنه لم يفعل.
ثم استطردت بضيق وعتاب داخلي:
-لو كان يهمهُ أمري لصنع المستحيل، وكان اتصل برشيد وجاء لزيارته إلى هنا،لكنه لم يفعل، وهذا كافٍ ليعلمني أنني لا أهمه، وأن الشوق لم يطرق بابه قط.
زفرت بقوة وهي تحاول استجماع شتات عقلها، وقالت لنفسها من جديد:
-تمسكي بالعقل يا بسمة واستفيقي من هذا الوهم، أنتِ لست في باله مطلقاً، ألمجرد أنه جاملكِ يوماً قائلاً إن فستانكِ جميل، تظنين أنه قد وقع في شباك غرامكِ؟!
تغلبت عليها حيرتها مجدداً، فراجعت شريط الذكريات وناجت نفسها بضعف:
-لكنه لم يكتفي بالفستان، بل همس لي بأن عيني أحلى، أليس هذا دليلاً قاطعاً على أنهما نالتا إعجابه؟،وأنهما تركتا أثراً في قلبه.
بكت بمرارة وصاحت في سرها باستهجان:
-يبدوا أنه كان يجاملكِ فحسب يا غبية، استفيقي، ليس كل من رماكِ بكلمةٍ عابرة يذوب فيكِ عشقاً.