الجزء الأول من الفصل الثامن والعشرون لولا الغرام روز آمين

 

أما بجامعة “القاهرة”، وعلى النقيض تماماً، كانت بسمة تعيش في عالماً آخر، خطت نحو أسوار الجامعة وهي محملة بأمل عظيم، وحماس جارف في أن تجد بانتظارها فارس أحلامها، ذلك الطيف الذي ظهر في حياتها بغتة كـ معجزة، ثم اختفى فجأة كما ظهر.

 

وقفت عند البوابة الرئيسية، وعيناها تتلفتان في كل صوب وزاوية بلهفة حارقة، كأنما تنبش في الوجوه بحثاً عن روحها التائهة التي فُقدت منها.

 

قطع خيط شرودها المضطرب صوت صديقتها التي وقفت إلى جوارها، وراحت تسألها بنبرة قلقة:

-انتِ كويسة يا بسمة؟.

 

عادت إلى الواقع بجسدٍ خارت قواه، وتطلعت نحوها بنظرةٍ يملؤها الشتات وهي تقول:

-اه الحمدلله.

 

رمقتها الصديقة باستغراب واضح وعقبت:

-أمال مالك، عمالة أنده عليكِ مش سمعاني، وواقفة تدوري في الوشوش وكأن ضايع منك حاجة!.

 

تسمرت بسمة في مكانها، واجتاحها ارتباك شديد كاد أن يعصف بـثباتها، بدت نظراتها مهزوزة وحائرة وهي تحاول جاهدة دفع التهمة عن نفسها، فقالت بنبرة حادة غلفت توترها:

-انتي بتخرفي تقولي إيه انتي كمان يا عنايات!.

 

لم تتراجع عنايات، بل غمزت بعينها، وقالت بابتسامة خبيثة ومداعبة:

-طب ومالك اتعصبتي كده ليه؟! تكونيش بتحبي ومواعداه تتقابلوا هنا؟.

 

انتفض قلبها بين ضلوعها برعب، وشعرت أن سرها بات عارياً أمام عيني صديقتها، فصاحت بحدة بالغة لتداري دقات قلبها المكشوفة:

-لأ، انتِ شكلك اتجننتي.

 

ولم تنتظر كلمة أخرى، بل استدارت وسارت بخطوات غاضبة ومتسارعة متوغلة داخل الحرم الجامعي، تاركة خلفها عنايات تقف في مكانها بنظرات مذهولة ومستغربة من تلك الثورة غير المبررة.

 

في مكان آخر مختلف تماماً، وبالتحديد داخل مكتب الضابط “هشام موافي الحديدي”، كان التحقيق جارياً مع أحد المتهمين، لكن عقل هشام كان يغزل تفاصيل في وادٍ آخر بعيد.

 

ما إن انتهى من استجواب المتهم وأمر بخروجه حتى عاد الهدوء إلى المكان، ليبقى وحيداً بملامحه المثقلة بالتفكير.

 

سند ظهره إلى الخلف مسترخياً على مقعده، وأغمض عينيه باستسلام وحزن دفين، كان يتمنى من كل قلبه لو أنه يقف الآن بانتظارها عند بوابة الجامعة في أول أيامها، يستقبلها بباقة ورد منتقاة بعناية تليق ببريق عينيها الجميلتين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *