الفصل السابع والعشرين لولا الغرام روز امين
كيف لجمال “دليلة” أن يتضاعف ويزدهر، وتتبدل ملامحها بالكامل إلى سعادة مفرطة بوجوده، ثم ينطفئ هذا كله في لمح البصر برحيله؟
خطى صادق نحوهما بملامح حزينة، واحتضن دليلة برفق وهو يقول مستعجلاً إياهم:
-كفاية يا دليلة علشان نلحق ميعاد الطيارة.
بدأ أشرف يودع الجميع وسط دموعهم المنسكبة، وانهيار والدته التي تشبثت به في عناق طويل مرير، رافضة إفلاته، آصرة على الذهاب معه إلى أرض المطار لتكحل عينيها به حتى اللحظة الأخيرة.
وقبل أن يهم بالخروج، وقف أحمد أمامه وعيناه تلمعان بالتأثر، وقال بصوت خفيض:
-ابقي كلمني على رقم تليفوني المحمول يا أبيه.
ابتسم أشرف بمرارة، واحتاط وجه الفتى بكفيه وقال له برقة:
-حاضر يا حبيبي.
وتابع وهو يربت على كتفه قائلاً:
-المهم انت خلي بالك من نفسك ومن مذاكرتك.
ثم تحولت نظراته المليئة بالشجن نحو محبوبته القابعة في انكسارها، وأردف موجهاً حديثه للصغير:
-وخلي بالك من دليلة.
ما إن نطق باسمها حتى جهشت في بكاء مرير، واهتز جسدها بضعف، في تلك الأثناء، كان صادق يراقب المشهد وعيناه تلمعان بارتياح حقيقي وصدره يمتلئ بالسكينة، لقد نجح أشرف بذكائه ونقاء سريرته في التقرب من أولاده، وامتلك قلوبهم بطريقة آسرة وجذابة.
شعر براحة عميقة تنبئ بأن أولاده قد وجدوا أخاً وسنداً حقيقياً، وأنه لو غاب عن الدنيا لأي سبب، فسيكون مطمئناً تماماً بأن هناك بديلاً يستندون إليه، وأنهم في أمان مطلق معه.
حتى منى، لم تكن بمنأى عن هذا التأثير، إذ نجح أشرف في استمالتها وجعلها ترتاح له إلى حد ما، وذلك بعدما أيقنت في أعماقها أن سعادة ابنتها وراحة قلبها لن تكونا إلا معه.
اقترب من دليلة خطوة أخيرة، وهمس لها بعينين تترجانها:
-وحياة اشرف عندك لتبطلي عياط، وانا هفضل اكلمك في التليفون طول الطريق.
شهقت وسط دموعها وأجابته بنبرة طفولية باكية:
-مش هيسمحوا لك تشغله في الطيارة.
حاول رسم ابتسامة يخفي وراءها غصته، وقال مداعباً إياها برقة:
-هستخدمه في الحمام من وراهم.
تقدّم كمال يربت على كتف أشرف مستعجلاً، وقال لدليلة بنبرة هادئة:
-خلاص بقى يا دليلة، سيبي الراجل علشان يلحق طيارته.
استمرت في بكائها، وكان مشهد الوداع مأساوياً ومؤثراً إلى الدرجة التي جعلت قلوب جميع الحاضرين تنفطر شفقة عليها.