الفصل السابع والعشرين لولا الغرام روز امين
_________♕_________
مضت أيام إجازة أشرف كطيفٍ عابر لم يدم طويلاً، حيث قضى تلك المدة متنقلاً بين المنصورة والقاهرة، فما وجد فرصة سانحة إلا وغمر فيها دليلة بحبه الجارف وحنانه واهتمامه البالغ.
كان يصحبها في نزهات كثيرة، ويهاديها بعطايا يترك لها كامل الحرية لتختارها على ذوقها الخاص، كل ذلك جعلها تتعلق به بطريقة جنونية تخطت حدود الوصف، حتى غدت لا تعرف للنوم سبيلاً إلا على نبرات صوته في الهاتف، وأصبح هو ملاذها، وعالمها، وكل ما تملك في هذه الدنيا.
واليوم، حان موعد سفره، إذ حضر بالأمس رفقة فاطمة وعلي، وباتوا جميعاً في منزل صادق ليتسنى لهم الاستيقاظ باكراً ومرافقته إلى المطار
حتى رغدة وكمال وصلا أيضاً لمشاركته لحظات الوداع الأخيرة، والان، دقت ساعة الفراق الحتمية.
وقفت دليلة معه في ردهة المنزل، والدموع تنهمر من عينيها بغزارة كشلالٍ لا ينقطع، شعرت في تلك اللحظة وكأن روحها توشك أن تخرج من جسدها وتتركها ج/ثة هامدة إن خطى حبيبها خطوة واحدة خارج الباب.
استشعر الجميع ثقل الموقف، فتراجعوا إلى الخلف تدريجياً، تاركين لهما مساحة من الخصوصية لتوديع بعضهما البعض.
وقفت أمامه ووجهها غارقًا بالدموع، وقالت بنبرة متحشرجة يملؤها الرجاء:
-هو انت لازم تسافر؟
كانت عيناهُ هو الآخر تترقرقانِ بالدموع،لكنه اعتصرها بكبرياء رجلٍ يتمزق من الداخل، ثم أجابها بصوتٍ متهدجٍ يقطرُ ألمًا ولوعة:
-غصب عني والله يا حبيبتي، ياريت كان بايدي، بس ده شغلي اللي هيبني لنا مستقبلنا يا دليلة.
تضاعف انهمار دموعها، وقالت بصوت يقطر وجعاً وهزيمة:
-بس انا خلاص اتعودت على وجودك يا أشرف، مش هينفع اقعد سنه بحالها مشوفكش فيها.
أمام حالة الانهيار شبه الهستيري التي تملكتها، حاول تهدئتها وبث الأمل في قلبها، فاقترب ووعدها بصوت حانٍ:
-هحاول انزل في اجازة نص السنة، صدقيني السنتين اللي فاضلين هنزلك فيهم كل ست شهور، وبدل ما اقعد شهر، اقعد 15 يوم.
في تلك اللحظة، تقدّمت فاطمة بقلبٍ منفطر على حالهما، جذبت دليلة إلى صدرها تحتضنها برفق وهي تقول:
-اهدي بقى يا حبيبتي، ومتزديهاش عليه، هو اصلا تعبان علشان مسافر وسايبك.
دفنت وجهها في أحضان عمتها مجهشة بالبكاء، تحت نظرات الذهول والحزن الشاخصة من عيني والدتها. كانت منى في حالة صدمة حقيقية، إذ لم يخطر ببالها قط أن شهرًا واحدًا من الإجازة كفيلٌ بأن يعلق ذلك الرجل ابنتها به إلى هذا الحد الجنوني.