الفصل السابع والعشرين لولا الغرام روز امين
كان عقله عاجزاً عن استيعاب أن هذا الاهتمام ليس تمييزاً، بل هو تدفق طبيعي لحب وشوق جارف لابنهم المغترب، الذي أصبح طيفاً عابراً لا يزورهم إلا كل شهرين أو يزيد.
وسط هذه الأجواء، التفتت يمنى نحو رشيد لتسأله بفضول هادئ:
-هو انتوا بتاكلوا ايه وازاي هناك يا باشمهندس؟
لم يمهلها كريم فرصة لسماع الإجابة من رشيد، بل تداخل متهكماً بنبرة حادة مبطنة بالتهكم:
– البشمهندس قاعد باشا هناك يا حبيبتي، عندهم شيف مخصوص وكل يوم يطبخ لهم انواع واصناف.
واستطرد بحقدٍ ظهر بين حرفه:
-عايش عيشة ملوك يعني.
رسم رشيد ابتسامة هادئة على ثغره، وحاول امتصاص تهكم شقيقه قائلاً:
-مش اوي كده يا كريم، انت فاكرني محاسب قاعد على مكتب ولا ايه؟
ثم ضحك بخفة وأردف:
-ده كفاية علينا صوت البريمة.
بينما كان ضجيج مناقشاتهم وضحكاتهم يملأ الغرفة، كانت هناك روح أخرى شاردة تماماً، تائهة في عالم موازٍ لا يمت لواقع المائدة بصلة.
لم تكن بسمة حاضرة إلا بجسدها، أما وعيها فقد سافر عبر الزمن شهرين إلى الخلف، ليعود إلى ليلة زفاف شقيقها، تلك الليلة الن نُقش في ذاكرتها تاريخها، حين أطل ذلك الفارس الغامض فجأة، قبل أن يختفي مخلفاً وراءه أثراً باهتاً كأنه طيف مرّ ولم يعُد.
والآن، لم يعد أمامها مفر من مواجهة الحقيقة المريرة التي طالما أنكرتها، لقد تغلغل حبه في أعماقها، وصارت ملامحه محفورة خلف جفونها، ترافق خيالها في كل صحوة، وتستوطن أحلامها في كل منام.
تسارعت نبضاتها بدافع رغبة جامحة في سؤال شقيقها عنه، هل ما زال حبل الوصل ممدوداً بينهما؟ أم أنه طوى صفحته وتناساه تماماً، مثلما فعل معها،وتركها خلفه نسياً منسياً؟
أطلقت تنهيدة عميقة من بين حنايا قلبها المكلوم، وامتدت يدها الواهنة لتقلب الطعام في طبقها بحركات آلية صامتة، دون أن تمتد يدها إليه لتتذوق منه ولو لقمة واحدة.
_________♕_________
في بيت صادق، كان الهدوء يخيم على أرجاء المكان، داليا وعلي قد خرجا معاً للاستمتاع بوقت خاطف من الخصوصية، بينما استسلم صادق لنوم عميق. وفي المطبخ، كانت دليلة تقف بجوار والدتها تساعدها في إعداد الطعام، قبل أن تلتفت إليها وعيناها تلمعان بإصرار ممزوج بالخجل، قائلة: