نفوس قاسية الجزء الأول بقلم منى أحمد حافظ
———————
وبالفندق لم يستطع آدم النوم فكلما أغمض عيناه رأى تلك الجنة الخضراء التي أسرته فتنهد وهو يتذكر اتهامها له بالإدمان وقلقها عليه حتى استعاد عافيته، ليعبس وهو يتذكر تصرف مازن ابن عمه معه حين أغلق عليه المرحاض وسلبه مقعده المتحرك وتركه حبيس الرمحاض دون دوائه فعزم على محادثة عمه وأخباره بأمر تصرفات مازن الخرقاء، وأغمض عيناه مرة أخرى يتنفس رائحة الياسمين التي أمتلأت بها غرفته وهمس:
– طيرتي النوم من عيني يا سهر.
———————-
في الصباح سارعت سهر وغادرت إلى عملها دون أنتظار محمود وما أن ولجت غرفة الأستراحة حتى التفتت إليها أنظار داليا ومنال لتخطو داليا نحوها تسألها بقلق:
– أنتِ فين يا سهر دي الدنيا مقلوبة عليكِ.
تملك الخوف من سهر والتفتت تحدق بوجه منال لها وهي تشعر بتعب وإرهاق لعدم نومها وحين مطت منال شفتيها عادت ببصرها إلى داليا وسألتها بترقب:
– وهي الدنيا هتتقلب عليا ليه وأنا معملتش حاجة.
أجابتها داليا بحنق:
– مش أنا اللي بقول على فكرة دا الأستاذ عصام كل شوية يسأل عليكِ واتصل على موبايلك لاقاه مقفول واتصل بالأستاذ محمود وقاله أنك فالطريق لهنا، فساب لنا خبر نقولك علشان تروحي له و…
قطعت داليا كلماتها حين لمحت محمود يقف أمام الباب فاتجهت صوبه ورحبت به ليعقد حاجبيه بوجهها ويقول بصوتٍ حاد مُهملًا داليا كُليًا:
– تعالي يا سهر الأستاذ عصام عايزك.
لحقت به سهر وقد سيطر عليها الأضطراب ليتوقف محمود بُغته فتجمدت سهر بمكانها ليلتفت إليها لينهرها بحدة:
– ممكن أفهم أنتِ ليه مشيتي من غيري.
تهربت سهر من النظر إليه وأجابته بتردد:
– أصل أصل.
أدرك محمود سبب فعلتها فأكمل عنها قائلًا:
– أصلك خوفتي مني علشان اللي حصل بينا امبارح بصي يا سهر أنا أسف على موقف إمبارح أنا مش عارف عملت كدا أزاي فهل ينفع تنسي اللي حصل ومتزعليش مني.
تنهدت سهر فليس أمامها غير موافقته على طلبه على الرغم من إحساسها بخيبة الظن به، كونه فرض عليها نفسه مثلما فعل فؤاد معها وودت لو توبخه وتخبره بما تشعر ولكنها امتنعت حرصًا على علاقاتها بصفية والدته التي تعاملها كابنتها وهي لا تريد خسارتها فأجابته بصوتٍ فاتر:
– ماشي يا ابيه أنا هنسى علشان خاطر خالتي صفية، المهم هو حضرتك متعرفش في إيه حصل علشان الأستاذ عصام يطلبني.
هز محمود رأسه بالنفي وأدرف:
– عصام رفض يقولي على السبب فتعالي نشوف في أيه حصل ومتقلقيش أنا معاكِ.
ولج محمود وتبعته سهر وما أن رأها عصام حتى هتف بأنزعاج واضح:
– أنتِ فين يا سهر يعني معقول علشان أوصل لك ألف عليكِ الفندق بحاله أنا ناقص أجيلك البيت، المهم خلينا فدلوقتي أنا عايز أفهم أنتِ أزاي يبقى الأستاذ آدم في جناحه أمبارح ومتبلغيش.
ارتبكت سهر خوفًا من صوته الحاد والتفتت إلى محمود فلاحظت عبوسه الشديد فعادت بعينيها إلى عصام وأجابته:
– أنا مبلغتش علشان الأستاذ آدم هو اللي نبه عليا وطلب مني أني متكلمش بس أنا معملتش حاجة يا أستاذ عصام أنا خلصت شغلي ونزلت على طول.
جلس عصام وأشار إلى محمود ليجلس وقال:
– بعد كدا لازم تبلغي يا سهر لأن لو في حاجة ضاعت أنتِ اللي هتتسألي عنها.
شهقت سهر بذعر وهتفت:
– بس أنا مخدتش حاجة والله ما مديت أيدى على حاجة.
والتفتت وحدقت بمحمود وقد ترقرت عينيها بالدموع وأردفت بتوسل:
– قوله يا ابيه أن أنا مش حرامية.
أجابها عصام ما أن لاحظ انهيارها وقال:
– أهدي يا سهر أساسًا محدش قال أنك اخدتي حاجة، كل الموضوع أن أنا بلفت نظرك بس ودلوقتي اتفضلي الأستاذ آدم طلبك بالاسم تطلعي ترتبي جناحه.
سيطر الضيق على نفس محمود وتساءل لما سهر تحديدًا فالتفت إلى عصام وسأله بسخط:
– واشمعنة سهر يا أستاذ عصام ما في بنات غيرها.
أجابه عصام بدهشة لسؤاله:
– وأحنا من أمته بنتناقش فأوامر الشغل با محمود وعمومًا علشان تبقى مطمن على سهر الأستاذ آدم أختار سهر علشان بتشتغل بضمير وهدوء.
انهى عصام قوله لمحمود والتفت إلى سهر وأشار إليها بالذهاب بقوله:
– يلا يا سهر واقفه كده ليه اتحركي يلا شوفي شغلك.
استأذن محمود ولحق بسهر وأوقفها قابضًا على ساعدها بقوة وأردف بحدة:
– أنا عايز أفهم موضوع آدم دا أيه يا هانم وليه مقولتليش عليه قبل كده عمومًا أنا عارف أن هنا مش مجال للكلام بس خليكِ عارفة أني مش هعديها ومش هعدي حكاية أ،ك تخبي عليا اللي بيحصل وأعملي حسابك أني هستناكِ علشان نروح سوا وأياكِ تمشي من غيري فاهمة.
هزت سهر رأسها بايجاب لتتخلص من ضغط يده وأجابته باضطراب:
– حاضر يا ابيه عن اذنك.
همس محمود لنفسه وهو يراها تبتعد:
– لازم تعرفي أنك ليا يا سهر خصوصًا بعد ما بقت كلمة ابيه بتشقلب كياني، اومال لو قلتي محمود ولا حبيبي هتعمل فيا ايه أنا بقيت مجنون بيكي يا سهر.
صعدت سهر بالمصعد الخاص بجناح آدم وولجت إلى الداخل بعدما طرقت الباب ولم يجيها أحد فبحثت بنظرها عنه ولكنها لم تراه، فبدأت عملها واستغرقت ساعة لتقف تنظر إلى المكان مبتسمة وسحبت نفسا عميقا تشتم رائحة الياسمين العطرة التي دومًا تسعدها، لتسمع صوته يقول من خلفها:
– مين قالك أني بحب الياسمين.
انتفضت سهر من مكانها وأجابته وقد تخضب وجهها بخجل:
– أنا ظاسفة مكننتش عارفة إن حضرتك هنا.
بهتت ملامح آدم وهو يحدق بوجهها الذي أزداد حُسنًا وعقب بعد أن أنتبه لنظراته إليها:
– أنا اللي لازم أعتذر لإني مأخدتش باللي أنك وصلتي يعني كنت فى البلكونة حضرتك بخلص شغل على اللاب المهم أنتِ خلصتى.
هزت سهر رأسها مبتسمة وأجابته:
– ايوة حضرتك أنا خلصت تأمرني بحاجة تانية.
اتسعت ابتسامة آدم وحرك مقعده نحوها وأردف:
– بصراحة آه أنا عايزك تفطري معايا ممكن.
تراجعت سهر إلى الخلف وأعتذرت بحرج:
– مش مش هينفع يعني أصل أنا ورايا شغل تاني وو.
تجهم وجه آدم وتطلع نحوها في حين لزمت سهر مكانها وتفاجأت بأنه اقترب منها ورفع وجهه نحوها وأردف برجاء:
– على فكرة أنا مكلتش من إمبارح أهون عليكِ.
هزت سهر رأسها بالنفي وأخبرته بارتباك:
– متهونش بس أصل.
لم ينتبه آدم لضغطة يده فوق مسند مقعده فاندفع خطوة للأمام فارتطم بها فأختل توازن سهر ولم تجد ما تتمسك فاسرع آدم بتلقائية وأحاط خصرها بيداه لتسقط سهر فوق قدميه ليتجمدا سويًا وتلاقت نظراتهما معًا وازداد احمرار وجه سهر لقربها الشديد منه ليهمس آدم وهو تائه كُليًا بعيناها:
– عينيكِ حلوة أوي يا سهر هتصدقيني لو قولت لك أني معرفتش أنام إمبارح من ساعة ما شوفتك ومش عارف أنتِ عملتي فيا أيه.
كانت سهر تشعر كمن ألقيت عليها تعويذة سحر تحدق بعيناه وهي مسلوبة الإرادة مأخوذة به تمامًا، وهاجمتها أنفاسه الدافئة فأحست باضطراب يسري بجسدها فأغمضت عيناها والتقطت بضع أنفاس سريعة وسارعت بالوقوف وقد احتقن وجهها بحمرته خجلًا منه وأردفت بهمس مُتحشرج:
– أنا أنا هنزل.
تابعها بنظراته وهي تجمع الأدوات لتغادر وتساءل بحيرة لِما هي ولِما فارقه النوم منذ أبصر عيناها وكأنها سجنته داخل خضراوتيها البريئة برموشها الطويلة؟ أيعقل أن ينجذب لفتاة صغيرة مراهقة تخطو أولى خطوات الحياة وهو الذي تتمناه أجمل الجميلات ويحاولن معه بشتى الطرق، ولكنه لم يعد يعرف غير شيء واحد وهو أنه يريدها أن تبقى بجانبه فقط، فقال آدم ليفاجىء نفسه قبل أن يُفاجأها:
– سيبي الشغل الفندق يا سهر وخليكِ معايا.
التفتت سهر إليه وحدقت به بدهشة تشعر بحالها كفراشة تجذبها النيران، وأدركت أن قربه منها يزلزل كيانها بإحساس لا تعلم ماهيته، إحساس للمرة الأولى تشعر به، ولكنها سرعان ما نهرت نفسها وذكرت قلبها وعقلها المسلوب بظروفها وكادت تنصرف ولكنها عادت وسألته تستوضح معنى طلبه:
– يعني أيه حضرتك تقصد أني اشتغل عندك.
همس آدم وهو يقاوم إحساسه بأختطافها عن العالم أجمع لتكون له وأجابها بصدق:
– أيوة سيبي شغلك دا وأنا هشغلك معايا فأي منصب أنتِ عوزاها المهم أنك تكوني جانبي.