الجزء الثاني من الفصل الثالث عشر لولا الغرام روز أمين
وبعد أن أنهى كلماته، التفت ببطء نحو يحيى، وخطى بتمهلٍ اتجاهه ثم قال بصوت جهوري:
-طبعاً كلكم الفضول قاتلكم وعاوزين تعرفوا مين البني آدم الحقير ده؟
رمقه يحيى بنظرة وعيد أخيرة يرجوه فيها الستر، لكن حسن وضع يده بثقة على كتف يحيى، وصاح مستخدمًا نبرة لا تقبل الشك:
-اسمحوا لي أقدم لكم، أحقر وأبشع وأزبل بني آدم ممكن تقابلوه في حياتكم كلها.
ثم ركز عينيه القاسيتين في عيني يحيى المرتعبتين وأكمل بصوت هز المكان برمته:
-يحيى عبد الحق، الحرامي، الخاين، الغدار،بايع صاحبه والعشرة والعيش والملح.
جن جنون يحيى، فقد ظل حتى الثانية الأخيرة يُمني نفسه بأنهم سيوفون بالوعد ويحجبون الأسماء، لكنهم في نظره بدوا “أندالاً”لقد حطموا كبرياءه.
نفض يد حسن بعنفٍ وصرخ بأعلى صوته بثقة وثبات جاهد لاستحضارهم:
-أنت اتجننت؟! هي حصلت تتبلى عليا وتلفق لي تهمة بشعة زي دي؟!
ذهبت صرخاته أدراج الرياح، فقد بدأ الهمس واللمز يتصاعد في المكان كالنار في الهشيم، وبدأ الطلاب يتبادلون نظرات الاشمئزاز والاحتقار الموجهة نحوه، لم يكن هذا الهجوم ليمر لولا ذكاء رشيد، فقد اختار حسن تحديدًا لهذه المهمة لما يتمتع به من حب ومكانة كبيرة في قلوب الطلبة، فهو الشاب المتدين، الخلوق، والمساعد للجميع، والجميع يثق بكلمته دون أدنى تشكيك.
كان يحيى يدور في مكانه كالمذعور، يلقي بكلماته محاولاً بأقصى جهد ترميم صورته التي تهشمت، لكن حسن اخترق دفاعاته بنظرة صلبة، وقال بلهجة حاسمة لا تقبل الجدل:
-أنا ما بكدبش يا يحيى، وأنت عارف كدة كويس أوي
ثم التفت إلى الوجوه حولهم، وأشار إليهم مكملاً:
-والناس اللي واففة دي كلها، عارفين مين فينا الكداب ومين الصادق.
ثم ثبت عينيه على سامر، واستجوبه بحدة:
-الكلام ده حصل ولا ما حصلش يا سامر؟
نظر سامر إلى يحيى، ورفع كتفيه ببرود يحمل تحديًا سافرًا، بينما كانت عيناه تشتعلان بغضبٍ مكتوم انتصارًا لصديقه رشيد، وأجاب بصوت رخيم:
-حصل يا حسن، ودي شهادة هتحاسب عليها قدام ربنا.
إلى هُنا وقد فقد يحيى آخر ذرات ثباته، صاح بجنون وعيناه تفيضان بالشر:
-انتوا كدابين، شوية حاقدين عاوزين تشوهوا صورتي قدام الطلبة،بس ده بعينكم.
تحولت همسات الطلاب إلى نظرات ازدراء صامتة حاصرت يحيى كمتهمٍ داخل قفص إتهامٍ، شعر رشيد بنشوة انتصار غريبة لم يألفها من قبل، لم يكن يوماً شخصاً يحمل الضغينة أو يشمت في مصائب الآخرين، لكن تصرفات ذلك الخائن هي من أوصلته لأول مرة إلى حافة الكراهية.