الفصل الثلاثون لولا الغرام روز امين

 

لمعت عيناها بجشع وقد تهللت أساريرها، فأجابت بسعادة بالغة:

– تسلم ايدك يا طنط، اركنيهم لي تحت الترابيزة لما اجي طالعة هبقى اخدهم.

 

التقطت كوب القهوة الساخن، وفتحت المبرد لتأخذ بعض الفواكه الطازجة، ثم توجهت بخطى متهادية نحو الصالة، ارتمت فوق الأريكة المريحة، وشغلت التلفاز ثم تربعت في جلستها ببرود تام، تتابع العرض مستمتعة برشفاتها وقضماتها.

 

بينما شرعت الآخرى في تنظيف المنزل، ومواجهة المهام الشاقة بمفردها، فرمقتها “يمنى” بنظرة خبيثة، وقالت بوهنٍ مصطنع وصوت خفيض:

– معلش يا طنط، لو قادرة كنت ساعدتك، بس الصداع مخليني مش شايفة قدامي.

 

 

تنهدت المرأة بعمق ولم تنطق ببنت شفه، فقد اعتصر صدرها الضيق من تصرفات زوجة ابنها المتخاذلة، لكنها التزمت الصمت وتجرع مرارة التغاضي، رغبة منها في الحفاظ على هدوء بيتها وإبقاء جدرانه بعيدة عن وهج المشاكل العائلية.

 

جمعت السجاد في إعياءٍ شديد، وأزاحت الغبار عن الخشب، ثم ملأت الدلو بالماء والمطهر، لتنحني بجسدها المنهك، وراحت تمسح الأرضية بأنفاسٍ لاهثة استنزفت ما تبقى من قوتها.

 

 

فجأة تناهى إلى مسامع “يمنى” صوتا “رشيد” و”بسمة” وهم يقتربان من باب الشقة في الخارج، وفي لمح البصر، انتفضت من جلستها المتربعة كمن أصابتها صعقة كهربائية.

 

اندفعت بجسدها نحو السيدة، وقبضت على الممسحة تنتزعها من يدها بقوة غريبة وهي تهتف بنبرة حنون:

– عنك يا طنط، روحي ارتاحي انتي يا حبيبتي.

 

فردت “سامية” ظهرها المتعب، ورمقتها بنظرة صامتة امتلأت بالاستغراب والذهول من هذا التحول الفجائي، غير أن سماعها لصوت المفتاح يدور في قفل الباب جعلها تفهم فورًا.

 

فقد أدركت بحنكتها أن زوجة ابنها ترتدي هذا القناع اللحظي فقط لتظهر في ثوب الضحية المنهكة، وتحمي نفسها من أي ملامة أو تقريع قد يوجهه لها العائدون.

 

دلف “رشيد” ومعه “بسمة” إلى بهو المنزل، فنظرت “يمنى” نحو “رشيد” وارتسمت على وجهها ابتسامة زيف شاحبة، بينما راحت تتنفس بتلاحق مفتعل وكأنها تكاد تسقط من فرط التعب، وهتفت بنبرة لاهثة:

– حمدالله على السلامة يا باشمهندس.

 

تحاشى النظر إليها تماماً، ونأى بعينيه عن ملامحها بدافع المروءة والاحترام، وأجاب باقتضاب بارد:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *