المشمهندس فلاح الجزء الثاني
همست من بين دموعها
-مش علشانك .
ارتاح قليلاً لكنه عاد ليسأل بخوف
-طيب اتكلمي يمكن اساعدك
همست وهي تضع وجهها بين كفيها تكتم تأوهها ..وتستجمع كلماتها المتعثرة في بكائها
– أنا .طارق
اسمه كفيل أن يزلزل ثباته جنود الخوف احتلت نظراته ..ورفعت راية تكذيب يريده قلبه
اخفضت يمنى كفيها وهي تعاود الهمس جاهده لكن استوقفها بإشاره حادة صلبة كملامحه
-كصديق ..؟ ولا ابن عم ؟
اهتزت نظراتها واحتارت اي طريق تسلك وأي أجابه ترد بها ..، لتهمس بنبره خافتة مؤكدة
-كصديق ..يا علي ..
لانت ملامحه وحثها قائلا
-اتكلمي
احتضنت جسدها المرتجف جراء إعادتها لتلك الذكرى المشينة ..وهمست
-أنا روحت لطارق البيت بعد ما طلع
اهتز جسده بإنفعال حاول كبته حتى لا يتهور ويُخيفها ويفقد أخر أمل له معها همس بصوت ميت
-كملي .
بكلمات مبعثرة مرتبكة غير مرتبة تابعت
مامته ..كلمتني عزومة محتاجة أصل محتاجه جو عيلة بس هي مشيت وأنا خوفت هو حيوان .غبياتهجم عليا
لينطلق سؤاله بعفوية مصحوبه بهلع
-عمل ايه ؟ لمسك ..؟
الفصل التاسع . ❤ ❤
بكلمات مبعثرة مرتبكة غير مرتبة… تابعت
-مامته ..كلمتني… عزومة… محتاجة أصل محتاجه جو عيلة… بس… هي مشيت… وأنا خوفت… هو حيوان .غبي…اتهجم عليا
انطلق سؤاله بعفوية مصحوبه بهلع
-عمل ايه… ؟ لمسك ..؟
وتعلق سؤاله على شفتيه كحبال من نيران… …
شددت من أحتضان جسدها فكاد يُجن أنتظاراً..نيران الغدر طوقته… كرر سؤاله ونظراته تمر على جسدها بتلقائية ..تتفحص وكأنه سيعرف ..
-لمسك… ؟
شحذت نفساً وأخفضت رأسها قائلة بلهاث وضيق
-لا… ..ملحقش ..
حرفان… وكلمة امتلكتا سماً ودواء… تصاعد الدم لرأسه وهو يتخيل ماذا إن لحق ..؟…
قبضتيه كانتا مضمومتين بقوة وحدقتيه مدفونتان بألم تحت أغطية متغضنة بقهر ….ظل على جمودة… حتى تابعت بإشفاق
-والدته رجعت ودخلت… بس بس… صمت وتلعثم يقطر من بين شفتيها بحيرة… لتسترسل وعيونها مثبتة على جيبه الحامل لمنشقتها
-جاتني النوبه هناك يا علي… بس رغم كده مرحمنيش ….
انسابت دموعها وشفتيها تتحرك بهمس
-بس الغريبة… كنت مستنية أيدك تتمد بيها زي كل مره ..والأغرب اني ناديت عليك يا علي…
زمجر بصوت عالي اختلط بغضبة وتأوهه ..مما آثار فزعها ورهبتها ..
اقتربت بعفوية مدت كفها ووضعتها على كتفه هامسة
-علي أهدأ…
انتفض وتساقطت كفها… ابتعدت وبعيونها غلالة من الدموع ..
لكنه همس بحرارة من بين أسنانه الُمطبقة
-أنا كده بهدأ يا يمنى… علشان متعاملش كابن عمي وصي مش صديق ..
همست بتوتر وجسد يرتعش
-تقصد أيه… ؟
أخذ نفساً طويل يشحن به ثباته وعاد بهدوء يناقض ملامحه
-لو كابن عم يا يمنى ردي مختلف…
بادرت بهمس خائف يتهدل منه التوسل
-صديق يا علي صديق…
تذكره ،وتتوسله… فعاد منتصباً شامخاً يهمس
-حاسه بأيه… ؟
سؤال هادئ رزين… ومعناه أعمق وأشمل ..نظرت للطعام وتلاعبت به قائلة بهدوء مماثل
-ضايعة… متشتته… خايفة ..خايفة… خايفة… ومع أخر مره انفجرت ببكاء حاد قط نياط قلبه ..،لأول مره يريد ضمها إليه… ظل يجاهد تلك الرغبة التي توارت خلف اهتزاز جسده واشاحته برأسه وكأنه يهرب… يهرب من ضعفه ورغبتة ..سكن جسدها وهدأ بكائها ….
أعمل أيه يا علي .؟
ليأتيها جوابه ممتزج بسؤال
-بتعرفي تصلي ..؟
صمتت قليلاً تفكر لتهز رأسه ايجاباً ثم سلبياً بحيرة ،همس بصوت مخنوق كمن حُبس صوته في زجاجه
-تعبانه ..ومحتارة ..
انطلق جوابة تحفّة الثقة وتغمره القوة ..بالتزامن مع وقوفه
-صلي… .
فمها مفغور بدهشه تستغيث حله السحري كصديق ….لم تتوقع جوابه… القى عن عاتقة لعاتق أعلى وأكبر وأحن
…*******
أرتبكت وهي تقف أمام صنبور المياه تحاول جاهدة استعادة كيفية الوضوء… لحظة انبهار اختلطت معها بترقب سعيدة قلبها يرفرف بين جنباتها ،منتظره بلهفه جديدة عليها…
وبجهد نجحت أن تتوضأ وكم كانت سعادتها ،قفزت كطفلة في الهواء وغادرت تبحث عن ملابس واسعة فضفاضة وحجاب… بحث مُضنى ..لتعثر اخيراً على عباءة راقية اهدتها لها الدادة وقد جلبتها لها من أرض الحجاز حينما ذهبت لأداء فريضة العمره ….واخيراً سجادة صلاة ..
فرشتها وكلها يرتجف …لكنها ارتجافة تلذذ وخشوع أكثر منها خوف… وهنا أرتفعت كفيها المرتعشتين بهمس هبط على قلبها بلسم وعلى روحها كنسمات رقيقة ..
-الله أكبر…
يومان حبيسة حجرتها ،يومان… كانت لأول مرة تغالب عنادها وصرامة أفكارها… تنبش بذاكرتها وتسترجع ….
كثيراً ما تأذت… كثيراً ما مرت بحياتها العواصف وقلبتها ..لكن تلك المره ..لم يكن هنا والدها يذود عنها… وترتمي بأحضانه ..حصن ودفاع قوي… وسلاح فتاك ورادع لأي هجوم عليها من أي نوع… أفاقت واكتشفت انها وحيدة في أرض الضباع… ما فعله طارق كان صوت قوي اخترق هدوئها وكشف الستار عن ظلمة وحدتها… ..
كانت تائهة مُغيبة بعد وفاة والدها… ..
عليها الأن أن تُعيد ترتيب حياتها من جديد ..صوت تحطّم وتكسير… جعلها تهرع للشُرفة بفزع… لم تجد شيئاً لكن الصوت مازال يرن بقوة هبطت تسأل فلم تجد أحد… دخلت المطبخ ..الذي كان فارغاً من عامليه… لكن الصوت أصبح أقرب… .
تحركت قدميها حتى وصلت لباب المطبخ الخلفي… وقفت متطلعة للخارج منه…
فغرت فمها بإعجاب ..لما تراه حولها ..خطت ببطء استكشافي ناحية ..ملعب التنس الخاص بها… لقد حوله علي لحديقة متناغمة… تضج بالورود والريحان الذي انبعثت رائحته مع نسمات الهواء…
تجولت بإنبهار تتلمس أوراق الزرع بشغف ،… تداعب تلك الورده وتناغش الريحان… .حتى وقفت خلفه هامسة
-معقول ده ملعب التنس بتاعي …!؟
استدار بظهره العريض يمسح حبات العرق المتلآلآة ..نظرة تفحصية انطلقت تجاهها… كم بدت جميلة رائعة الحسن بجلبابها الفضفاض ..وحجابها الذي أضفى عليها هالة ملائكية ..ونور…
حمحمت لتوقظه من أفكاره المقرونة بنظرات الرضا والإعجاب لديه ..ليحك رأسه قائلا بحرج
-اممم ..اه… معجبنيش فقولت اعدّل فيه… بس مبتلعبيش ليه ..؟
مر الاندهاش على ملامحه الراضية لتقول بعدها بنظرة متألقة
-الشغل… وعادي… وتعبي
-الرياضة كويسة… حاولي تمارسيها ولو بسيط…
نطق بها وهو يبتعد متماً ما بدأه ..راقبت بمتعة زراعته وانغماسة في عمله بحب…
اقتربت قائلة وعينيها على كفه الحامله للحبوب
-ممكن اساعدك ..؟
نظر لها مطولاً نظره لم تفهمها ..فهزت رأسها بأعتذار نطقت به عيناها ..ليمد كفه بالحبوب إليها وابتسامته تداعب شفتيه
-يلا…
نظرت لملابسها ثم همست بحماس
-هبدل هدومي وأرجع .
راقبها بإبتسامة… عادت بعد دقائق ببنطال جينز وتيشرت بأكمام… وخصلاتها ترتفع للأعلى…
لم يرد علي أن يُعلق على شئ فهو يعلم أن تغيرها لن يتم بين يومٍ وليلة… .
بدأ يُشير إليها ويشرح لها بجدية وانهماك… واخيراً انتهيا ليجلسا متعبين…
هتف علي وهو يمدد ساقيه
-رجب… هات ميه نغسل ايدينا ..
رجب بسعادة
-حاضر يا بشمهندس…
فركت كفيها المتسختان قائلة
-امتى هينبتو… ؟
علي وهو ينهض ليأخذ خرطوم المياه من رجب…
-لسه… .
نهضت تتبعه… غسلت كفيها ووجهها ثم اتجهت للمطبخ ،وجدت الدادة واقفة تُعد الطعام ..
-يلا يا دادة أنا جعت…
اومأت الدادة باسمة ويديها تتسارع للتجهيز ،اجتمعو على السفرة ..ليعلن علي تأففه موبخاً رجب
-ايه ده… كفاية أكل…
اطلقت شفتي رجب تأفف وزمجرة معترضه ثم نهض قائلا
-أنا لسه جعان يابشمهندس .
صاح علي وهو يدفعه بنفور
-احمد ربنا أني خليتك تأكل معانا اصلا…
تابعت يمنى مايحدث بغرابة ،أما الدادة فهتفت بلوم
-ماتسيبه يا علي… .
علي بإعتراض اختلط بعلامات وجههه الحانقة
-لا يأكل هناك لوحده… مينفعش معانا ..
هزت يمنى رأسها بعدم تصديق .لكنها لم تتدخل وتفسد يومها وتخسر هناء بالها بمناقشة عقيمة… .الغلبة فيها لعلي…
******
دخولها الهادئ وابتسامتة التي تنطق برضا نفسها ونعيم أفكارها الغارقة فيه ..جعل جميع عاملي الشركة يتبعان خطواتها بدهشة وابتسامة انتقلت عدوتها إليهم…..
غادر علي باكراً… فهي منذ ماحدث وهي بعيدة لاهية… لكنها اليوم قررت النزول للعمل… .اعتلت المصعد الذي اوصلها بحيوية ونشاط يماثل نشاطها وخفتها… .دخلت مكتبها ليرنو لمسامعها صوت مراد الممتلئ بالسعادة والفرح
-مبرووك يا علي. ، ابن الراوي بصحيح… الصفقة دي من أكبر الصفقات الي حصلت عليها الشركة وهتنقلنا نقلة تاني فعالم المال…
همس علي بإجلال وانكماش لملامحه غير مُبرر
-الله يباركلك يا أستاذ مراد… كله بفضل ربنا ثم وقوفك جانبي…
دخلت يمنى قاطعة حديثهم لتتوجه الاعين إليها وتتجه الألسن لتحيتها
-يمنى هانم ..نورتي يا فندم
حيتهم بإقتضاب وقد تلاشت ابتسامتها شعور حارق بالغيرة يتأكلها…
جلست برعونه ودون مقدمات خلف مكتبها ..مما جعل مراد يحمحم بحرج وانظاره موجهه لعلي بإبتسامتة الرائقة…
هتف مراد بشئ من الأعجاب والسعادة
-انهردا… علي هيوقع عقد صفقة اليابان يا يمنى…
-عادي يعني ….احنا من زمان واحنا شغالين عليها فطبيعي يقع الاختيار علينا… مش هيلاقو زي عروضنا ..
قالتها بشئ من التهكم والحدة ..مما جعل ابتسامة مراد تتراجع ..أما علي فتدارك الموقف وشعر بغيرة يمنى الواضحة له… قال نافياً وقد استطاع أن يقيد أفكارها السوداء ويحجم غيرتها بعذب كلامة ورزانته
-فعلا… لسه كنت هتصل بيكي علشان تيجي تطلعي على العقود وتدينا رأيك ..وتحضري الاجتماع
رياح الحرج لفحتها فصمتت ،ابتسم مراد لعلي ونظراته تهنئه على ذكائة وحسن تعامله مع الموقف ..
خرج علي وأحضر جميع الاوراق وطلب من يمنى بتوسل زائف
-معلش لازم تراجعي الورق بسرعة قبل الاجتماع… علشان نقدر نتفاهم أنا لوحدي وبقلة خبرتي مش هقدر يا يمنى ..
ابتسمت بغرور رسمه لها علي… وقالت وهي تعكف على الأوراق
-متشكرة يا علي…
فهمها وفهمته… وكم راقها تفهمه وذكائه… سايرها واحتوى غيرتها وخوفها من أن تصبح بلا قيمة في مكانها…
هز رأسه بتواضع وعينيه تطمأنانها أنها معه بأمان حتى من نفسها ..
كان الاجتماع ناجح بدرجة كبيرة احتوي علي بذكائة وحكمتة الموقف وابتلع تزمت يمنى سيطر على الجلسة بهيبة ومعرفة تفاجئت منها يمنى… لقد شعرت بضائلتها أمامه ..وهي من سبحت في مجال الأعمال لسنوات حتى فهمته ليأتي هو وبشهر واحد احرز نجاحاً جباراً…
كان الجميع ينظر له بإعجاب صريح نطقت به عيونهم… كانوا ينصتون… قد احتل علي الحوار وفرض هيمنته…
رابحين لا محاله ..نظرت للعقود تُقلبها بين يديها بذهول ..لقد وافقو ببساطة على شروطهم وكأن لحديث علي سحراً… سيطر على عقولهم وسيرها كيفما يشاء…
مضت على الأوراق بتغيب وتخبط لا يسعها إلا أن تطالع هذا الفلاح بإعجاب مجنون…
خرجا من الشركة ليجدا رجب يحتل جانب السائق…
وقف علي أمام يمنى قائلا بشئ من العزة والاستحياء
-عايزين منك خدمة ..!
رفعت يمنى نظارتها خلف خصلاتها وهي تهتف بإهتمام
-خير يا علي ..؟!
نظر علي لرجب خلف وهو يقول
-رجب فرحه بعد اسبوع… هيتجوز بنت خالي ..فحابب اشتريلها شوية حاجات كده هدية ..بس طبعا معرفش ..
صاحت يمنى بسعادة
-مبروووك… تحب أساعدك ..؟
بلهفة توشحت بها كلماته
-ياريت يايمنى .
اومأت قائلة وهي تتجه معه ناحية السيارة
-يلا طيب…
تبعها علي بسعادة… جلس بجانبها مع وضع مسافة ،فيما ظل رجب مكانه بجانب السائق
نظرت يمنى لرجب قائلة
-مبرووك يا رجب…
ابتسم رجب قائلا
-الله يبارك فيكِ ياست يمنى…
انطلقو لأكبر المولات يتجولون بحماس ..يمنى انشقت عنهم لتحضر مستلزمات العروس ،يما أخذ علي رجب ليساعده في انتقاء ملابسه ..واصرا على السائق (ابو توفي)… .ليذهب معهم راحماً له من الانتظار بالخارج والملل الذي سيعانيه ..
انتهت يمنى من التسوق ..لينظر اليها على قائلا
-جبتي المول كله… ؟
ضحكت يمنى قائلة
-مش للعروسه… .
اشار علي بسبابته قائلا بإستنكار
-دي بنت خالي مش هيفاء وهبي ..
ضحكت يمنى قائلا بعيون تلمع انتصاراً وتحدي
-هنخليها هيفاء…
مصمص علي قائلا وهو ينظر للحقيبة البلاستيكية التي ارتسم عليها مستحضرات التجميل وتزينت باسم المحل
-دي لو شافت أحمر الشفايف هتفتكره حلاوة وتاكله ..
لم تقدر يمنى على منع ضحكاتها التي انفلتت منها وهي تقول
-يخرب عقلك ياعلي ..أنت مشكلة ..
قطع علي ضحكاتها وقد غار عليها ممن ينظرون اليها بإعجاب
-يلا ادخلي اختاري فستان الفرح…
بتعجب وحاجب مرفوع قالت يمنى
-هي مش هتختاره بنفسها ..؟
سبقها علي للمحل ّقائلا
-تختار ايه… ؟… .عمر ابوها شاف الحاجات دي ..؟
تجولت يمنى بين الفساتين بفرحة وخفة ..تتناقش مع علي… يتشاكسان بشقاوة… على اختلاف أذواقهم ..بالأنتقاء.
اصرت يمنى على شراء فستان لم يرق لعلي كثيراً… زادت حيراتهم الممزوجه بنقارهم وتحديهم بعضهم البعض ..مما دفع علي ليقطع الشجار قائلا
-ناخد رأي رجب ..
وافقت يمنى بثقة سخر منها علي… أشهرو الفستان أمام رجب يمنى تهتف بإنتصار مسبقاً
-ايه رأيك فده يا رجب اظن جميل… هتكون أحلى عروسه فيه
تأمله رجب بسرعة ليهمس علي بأذنه ثم يبتعد مما يثير حنق يمنى ،هتف رجب بغضب
-لو لقيتها لبساه العريان ده هطخها وأغسل عاري بيدي ..
حملقت يمنى فيهم بذهول ..ثم لبث أن تبخر ذهولها وانقلب لتجهم ..تركت الفستان واقتربت من علي ناهرة
-انت السبب ..أكيد قولتله حاجه ..
كتم علي ضحكاته قائلا
-ابداً… حتى اسأليه ..
التفتت يمنى تسأل رجب الذي اجاب بإصرار
-مش هاخده… أنا هاخد ده…
اشار لواحد كانت ترتدية المانيكان…تأففت يمنى بغضب ثم استسلمت تحت انظار علي المتفحصة المراقبة بشغف ..
******
كان يوماً سعيداً… لم تحظى بيوم مثله من قبل ….ملئ بالمرح… جلست بسعادة تنتظر وصول علي لقد تأخر على العشاء…
دقائق وتفاجئت بسيارة مراد تدخل… هبط منها مراد وعلي يحملان العديد من الأكياس… خرجت تستقبهلم والاسئلة تتوسد عينيها ..اشار لها علي أن تساعده فوافقت على مضض ..
أحضر على من المطبخ بساط بلاستيكي وافترش به أرض الحديقة… ثم بدأ بأخراج ما بالأكياس وصفه ..تسألت يمنى
–مش فاهمة ..
ابتسم علي وهو يتابع التجهيز
-محبتش فرحة توقيع عقد الثفقة الجديدة تمر كده فقررت نتعشى ونسهر كلنا… خاصة اني مسافر
ارتجف قلبها بين اضلعها لتنطق شفتيها ما كتمه قلبها دون مواربة
-مسافر فين… ؟
ظل سؤالها معلق ….لا اجابه ..فقدوم مراد والدادة ورجب لم يمنح علي فرصة الجواب…
اجتمعو ا يأكلون ويتسامرون ويضحكون ..سهرة رائعة بحق مليئة بدفء جديد عليها… دف عائلة حُرمت منه .
طوال السهرة كانت تود أن تسأله عن مكان وموعد سفره لكنه كان منسجماً مع الجميع ولا يعطي لها بالاً… تتحين الفرص لتسأله لكن دون أن تخرج بشئ…
خافقة يرفرف… قلبة يتتبع نظراتها المتعلقه به .يقرأ سؤالها المتعلق في نظراتها المشتته وحركاتها المترقبة ،كم كان سعيداً… تظن أن لا يراها ولكنه لا يرى سواها…
انتهت السهرة واستحوذ رجب على كعكة شيكولا لذيذة… دخل بها للحجرة وضعها أمامه ثم ما لبس أن دخل علي عليه .
نظراته مصوبه نحو التورته الموضوعة جانباً ..ثم استدار لعلي متسائلا
-ايه دي يابش مهندس ..؟
ابتسم على قائلا بجدية مصبوغه بمرح
-دي منكر يارجب أوعى تاكل منها…
انتفض رجب وهو يحدق بالكعكة
-منكر اعوذ بالله… خلاص خدها… أنا مش عايزها
ابتسم علي بإنتصار وحمل الكعكة وغادر قائلا
-مجرد تشوفها أخدت ذنب يا رجب ..صلي بقا ركعتين واستغفر
وضعها بالبراد تحت نظرات يمنى التي سألته بتلعثم وارتباك
-هو أنت مسافر مع رجب ..؟
استدار قائلا بلا مبالاة دون أن ينظر إليها
-ايوه…
تسابقت كلماتها قائلة وهي تفرك كفيها
-طيب والصفقة والعقود ..
كان يقرأ كلماتها عبر أنفاسها ،ينتظر حديثها بلهفة .فيما كانت هي متوترة تبحث عن كلمات تُسعفها وتُعينها بحجة ضعيفة اعلنت رفضها المتواري
-بس لسه ..المفروض تنتظر ..لما نخلص
اجابها وهو يتعمد الأنشغال عنها حتى لا يزيد من حرجها ويمنحها شعور بالراحة وعدم الخجل ..
-الشغل الي ناقص ..أنتِ خلصية… أنتِ كدها يا يمنى ..
بتلاعب واضع أظهر ابتسامته
-بس أنت الي اتفقت معاهم لازم تكون موجود ياعلي ..خلي رجب يسافر لوحده وأنت سافرله يوم الفرح
خطا بثقة ناحية الباب وهو يقول
-مينفعش ..رجب مالوش غيري … وبعدين المتر مراد موجود
تأففت قائلة بعفوية لامت نفسها عليها
-هتسيبني أسبوع بحاله…
تصلب جسده مكانه وتوقفت خطوته التاليه فيما كانت هي تتمتم لاعنه غبائها ،بدت دقاته كموسيقى صاخبة تصم الأذن ..تنهيدة وأنفاس سلبها ليستدير ناظراً إليها بقوة ..فتسبل اهدابه مُغيرة بأسف كاذب عبر نبراتها ..
-أقصد… أقصد ….ماتت كلماتها ..تجوب طرقات عقلها لتجد عبارات تنهي بها الموقف لكن دون فائدة… فأختارت الهروب ..انتزعت اقدامها واستدارت متخذه الهروب وسيلة ..لكنها استوفها بسؤال رفع به حرجها وغطى به على كلامها المفاجئ
-هو أنتِ مش هتحضري الفرح… ؟ ..يعني أنا شايف تيجي تغيري جو وتشوفي البلد وتحضري الفرج
همست وهي تنكس رأسها متعللة .ومتشدقة ببقايا حياء عله ينقذها
-الشغل…
أجابها بهمس وابتسامته تتسع برضا
-بالتليفون ..دا غير مراد موجود واحنا خلصنا الجزء المطلوب فيه حضورنا ..ها قولتي أيه ..؟
صمت لفحهم لدقائق… لتهمس يمنى وهي تمنع ابتسامتها الراضيه بالظهور
-طيب هفكر…
كتم ضحكة مشاغبة كادت تفلت منه ،ثم همس بدفء
-تصبحي على خير يا آمنه
قفزت يمنى صارخه بسعادة وانتصار ،ليُظهر علي رأسه من الباب قائلا
-في حاجه يا يمنى ..؟
كتمت ضحكتها ولوحت وهي تشيح برأسها وتفرد ذراعها وتثنيه ،ً تدعي الأنشغال خجلاً من نظراته التي تخترقها
-لا لا… ايدي بس الظاهر شد عضل
هز رأسه قائلا بإقرار وتسلط أرفقه بإبتسامة وغمزة
-بعد الفجر تكوني جاهزه…ووفري على نفسك شد العضل .
******
وضعت والدته كمادات المياه الباردة على اماكن اصاباته قائلا بغل
-عاجبك كده خليت واحد فلاح همجي يعمل فينا كده .
تأوه طارق بتعب ووالدته تضع الكمادات بعنف مقصود ..دقائق وأعلن والده عن وجوده بهتاف غاضب
-أنت يا زفت…
ساقته قدماه للداخل ليجد طارق ممدداً وبجانبه والدته ،صاح بغضب هادر من أعماقه
-عملت أيه تاني لعلي الراوي… ؟
أشاح طارق بعينيه التي امتلئت بسخط ،وضيق لا يخلو من أحتقار… ليعاود الأب تعنيفه
-أنا عارف أكيد هببت حاجه ..
اوقفته الأم بغرور وهي ترمقه بنصف نظره مستهينة
-في أيه ياابو طارق… في حد يدخل كده ..؟
امتعضت من نفخه المصوب ناحيتها ،ليقول بتعنيف شرس
-علي الراوي أنهى تعاقده مع شركتنا… وده أهم عميل عندنا ..
ظل طارق على صمته لينهره والده
-مخدتش منك أنت وأمك غير المصايب مش كفايه مستحمل فشلك… وأنا الي قولت هتسند عليك… طلعت مش عارف تسند حتى نفسك… .
هتفت الأم برعونة وكبرياء
-لو سمحت…
دفعها لتقع بجانب ولدها وغادر يضرب كفاً بكف ينعي حظه …..لقد خسر كل أمواله وبصعوبه بالغة أقام شركة. مناصفة مع أصدقائه ولطالما كانت شركات الراوي داعم وعميل ممتاز ..ليأتي طارق ويستفز على ليسحب من تحت أقدامهم البساط السحري…
**—
رفعت نظارتها متسائلة وهي تتفحص ملابسه التي طرأ عليها شئ جعلها مبعثرة بعكس ما خرج
هندم نفسه قائلا بإبتسامة
-واجب كنت بقضيه…
عقدت حاجبيها بعدم فهم ليقول لها وهما يصعدان للسيارة
-شوية رياضة… .ايوه هي عنيفة شوية ..بس ممتعة ..
لم تفهم يمنى من الغازه شيئاً ،ففضلت الصمت… والحقيقة أن علي قرر اليوم ممارسة الملاكمة والمصارعة في وجه طارق وجسده وكم كان ذلك ممتعاً له… طلب من السكرتيره أن تحضر له عنوانه وبالفعل ..أخذه منها وغادر لتلقينه درساً لن ينساه…
فهل سيبتعد طارق ..أم سيكون لشيطانه رأي آخر..